فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 3844

17 -باب {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} [التوبة5]

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( أمرت أن أقاتل الناس ) )الحديث. هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا ص 157 عبد الله المسندي بفتح النون ومحمد والد واقد هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب سمع جده وابن عباس وابن الزبير وعنه بنوه الخمسة أبو بكر وعمر وعاصم وواقد وزيد. قال أبو حاتم وأبو زرعة ثقة. وواقد ابنه هو بالقاف، وليس في (( الصحيحين ) )وافد بالفاء.

وهو والد عثمان بن واقد أيضًا، روى عن والده ونافع وغيرهما، وعنه شعبة وغيره، وثقه أحمد وغيره. روى له مع (خ، م) (د، ن) .

وأبو روح هو حرمي بفتح الحاء والراء بن عمارة بن أبي حفصة نابت بالنون، وقيل (( بالثاء ) )وقيل عبيد العتكي مولاهم البصري، سمع شعبة وغيره، وعنه القواريري وغيره، مات سنة إحدى ومائتين. قال يحيى صدوق، روى له الجماعة سوى (م) .

فائدة حرمي أيضًا اثنان ابن حفص العتكي روى له (خ، د، ن) . وابن يونس المؤدب، روى له (ن) واسمه إبراهيم.

قوله (( تابوا ) )أي خلعوا الأوثان، وأقبلوا على عبادة الرحمن، ومنه قوله تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} .. إلى قوله {فإخوانكم في الدين} [التوبة11] ، وهذه الآية التي ذكرها (خ) حكي عن أنس أنها آخر ما نزل من القرآن.

ومعنى (( عصموا منعوا ) )، والعصم المنع، والعصام الخيط الذي يشد فم القربة، سمي به؛ لمنعه الماء من السيلان.

ومعنى قوله (( إلا بحق الإسلام ) )أنه إن صدر منهم شيء يقتضي حكم الإسلام مؤاخذتهم به من قصاص أو حد أو غرامة تختلف ونحو ذلك استوفيناه، وإلا فهم معصومون.

ومعنى (( حسابهم على الله ) )أن أمر سرائرهم إليه، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم.

وفيه وجوب قتال الكفار إذا أطاقه المسلمون حتى أسلموا، أو يبذلوا الجزية إن كانوا ممن تقبل منهم.

وفيه وجوب قتال تارك الصلاة أو الزكاة، وفيه رد على قول المرجئة إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال.

وفيه قتل تارك الصلاة عمدًا مع اعتقاد وجوبها وهو مذهب الجمهور. والصحيح عندنا أنه يقتل بترك صلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة، وقال أحمد في رواية أكثر أصحابه عنه تارك الصلاة عمدًا يكفره ويخرج من الملة، وبه قال بعض أصحابنا.

فعلى هذا له حكم المرتدين فلا يورث، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، وتبين منه امرأته، وقال أبو حنيفة والمزني يحبس ولا يقتل.

فرع لو ترك صوم رمضان حبس، ومنع الطعام والشراب نهارًا؛ لأن الظاهر أنه ينويه؛ لأنه معتقد لوجوبه.

فرع لو منع الزكاة أخذت منه قهرًا، ويعزر على تركها.

وفيه أن من أظهر الإسلام، وفعل الأركان كففنا عنه، ولا نتعرض إليه لقرينة تظهر منه.

وفيه قبول توبة الزنديق [1] ، وإن تكرر منه الارتداد والإسلام، وهذا هو الصحيح، وقول الجمهور، ولأصحابنا فيه خمسة أوجه، وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ويعلم ذلك إما باطلاع الشهود على كفر كان يخفيه، وإما بإقراره، أصحها ما ذكرناه، وهو ما نص عليه الشافعي، والأحاديث دالة عليه. منها حديث أسامة (( أفلا شققت عن قلبه ) ).

وثانيها وبه قال مالك لا تقبل، نعم إن كان صادقًا في ذلك نفعه عند الله تعالى، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين.

والثالث إن كان من الدعاة ص 158 لم تقبل توبته، وتقبل توبة عوامهم.

والرابع إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائبًا ابتداءً، وظهرت مخايل الصدق عليه قبلت، وحكاه ابن التين عن مالك أيضًا.

وخامسها إن تاب مرة قبلت، وإن تكررت منه فلا.

وفيه اشتراط النطق بكلمتي الشهادة في الحكم بإسلام الكافر، وأنه لا يكف عن قتالهم إلا بالنطق بهما، قال القاضي حسين وإنما يندفع السيف بهما مع الإقرار بأحكامها لا بمجردهما. وفيما قاله نظر.

وهذا الحديث مبين ومقيد لما جاء في الأحاديث المطلقة، ومنها مناظرة عمر للصديق في شأن قتال مانعي الزكاة، إذ فيه فقال عمر لأبي بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال عليه السلام (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) ). الحديث. فقال الصديق والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فانتقاله إلى القياس، واعتراض الفاروق عليه أولًا دليل على أنه خفي عليهما وعلى من حضرهما حديث ابن عمر وأبي هريرة كما خفي عليهم حديث حرمة المجوس وشأن الطاعون، وهذا وأمثاله مما ترجح به فأخذ الشافعي في أنه إذا صح الحديث لا يعدل لجواز خفائه على البعض.

وفيه الحكم بالظاهر.

وفيه أن الاعتقاد الجازم كاف في النجاة، وأبعد من أوجب تعلم الأدلة وجعله شرطًا للإسلام، والأحاديث الصحيحة متظافرة على ذلك، ويحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم كاف.

وفيه عدم تكفير أهل البدع.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب فإن تابوا ) )أي عن الشرك ليوافق الحديث الوارد فيه حيث قال (( حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ) ).

قوله (( أمرت ) )بضم الهمزة وأصح التعاريف للأمر هو القول الطالب للفعل والمفهوم منه أن الله تعالى هو الآمر له، وكذا إذا قال الصحابي أمرنا بكذا فهم منه أن الرسول هو الآمر له، فإن من اشتهر بطاعة الرئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره به، وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين والتعويل على شهادة العقل.

قوله (( أن أقاتل ) )أي بأن أقاتل وحذف الجار من أن كثير شائع مطرد والناس قالوا أريد به عبدة الأوثان، وقيل أهل الكتاب لأن القتال يسقط عنهم بقبول الجزية.

فإن قلت فلم خصص بالعبدة. قلت لأن الأدلة الخارجية مثل (( حتى يعطوا الجزية ) )دلت عليه.

الطيبي هو من العام الذي خص منه البعض لأن القصد الأول من هذا الأمر حصول هذا المطلوب بقوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس} الآية، فإذا تخلف منه في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة وتثبت العصمة.

قال ويجوز أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل في بعضهم بذلك، وفي البعض بالجزية وفي الآخرين بالمهادنة. وقال وأيضًا الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان بعد هذا القول.

وأقول إذ الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب فكأنه قال حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام، أو المراد حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فاكتفى بما هو ص 159 المقصود الأصلي من خلق الخلائق إذ المقصود من القتال هو وما يقوم مقامه نحو أخذ الجزية أو من الإسلام هو وما يقوم مقامه نحو إعطاء الجزية وكل هذه التأويلات لما ثبتت بالإجماع أن الجزية مسقطة للمقاتلة فاحفظ هذه التوجيهات وعددها. و (( حتى ) )هي غاية للقتال ويحتمل أن تكون غاية للأمر به.

فإن قلت إذا شهد وأقام وأتى فمقتضى الحديث أن يترك القتال وإن كفر بسائر ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لكنه ليس كذلك. قلت الشهادة برسالته تتضمن التصديق بما جاء به مع أنه يحتمل أنه ما جاء بسائر الأشياء إلا بعد صدور هذا الحديث، أو علم ذلك من دليل آخر خارجي كما جاء في الرواية الأخرى ويؤمنوا بي وبما جئت به.

قوله (( ويقيموا ) )معنى إقامة الصلاة إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه والدوام عليها من قامت السوق إذا نفقت، وأما التجلد والتشمر في أدائها من قامت الحرب على ساقها، وإما أداؤها تعبيرًا من الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها والصلاة هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم والزكاة هي القدر المخرج من النصاب للمستحق.

فإن قلت تارك الصلاة يقتل ويقاتل فما حكم تارك الزكاة. قلت حكم الزكاة حكمها قاتل الصديق مانعي الزكاة.

فإن قلت فهل هو مختص بالصلاة والزكاة أم هو حكم جميع الواجبات. قلت ذلك حكم الجميع، وإنما خص الصلاة والزكاة بالذكر من بين سائر الواجبات لأنهما إما العبادات البدنية والمالية والعباد على غيرها والعنوان له ولذلك سمى الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام.

فإن قلت إذا شهدوا عصموا وإن لم يقيموا أو يؤتوا إذ بعد الشهادة لابد من الانفكاك عن القتال في الحال ولا تنتظر الإقامة ولا الإيتاء ولا غيرهما، وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله إلا بحق الإسلام فإن الإقامة والإيتاء من حقه. قلت ذكرهما تعظيمًا لهما واهتمامًا بشأنهما وإشعارًا بأنهما في حكم الشهادة، والمراد ترك القتال مطلقًا مستمرًا لا ترك القتال في الحال الممكن إعادته بترك الصلاة والزكاة، وذلك لا يحصل إلا بالشهادة وإتيان الواجبات كلها.

الطيبي إلا بحق الإسلام استثناء مفرغ والمستثنى منه أعم عام الجار والمجرور، والعصمة متضمنة لمعنى المنفي حتى يصح تفريغ الاستثناء إذ هو شرطه؛ أي لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من قتل النفس وترك الصلاة ومنع الزكاة.

وأما تقديم قوله ويقيموا ويؤتوا وإزالتهما عن مقرهما هذا وعطفهما على الشهادة فللدلالة على أنهما بمنزلتها في كونهما علة للمقاتلة إيذانًا بأنهما أما العبادات، ويؤيد هذا التأويل رواية أبي هريرة فإنه لم يذكر فيها الصلاة والزكاة.

فإذا فعلوا ذلك فإن قلت المشار إليه بعضه قول فكيف إطلاق الفعل عليه. قلت إما باعتبار أنه عمل باللسان أو على سبيل التغليب للاثنين على الواحد.

و (( عصموا ) )أي حفظوا وحقنوا والدماء جمع الدم نحو جمال جمع الجمل إذ أصل دم دمو، و (( بحق الإسلام ) )الإضافة فيه إما بمعنى اللام أو بمعنى من أو بمعنى في الحق الذي يتعلق بالدم هو كالقصاص وبالمال كالضمان.

قوله (( على الله ) )لفظة على مشعر بالإيجاب في عرف الاستعمال فهو على سبيل ص 160 التشبيه؛ أي هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع، وإلا فالأصل فيه أن يقال حسابهم لله أو إلى الله أو هو واجب عليه شرعًا بحسب وعده.

أما عند المعتزلة فظاهر لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلًا، ومعناه هو أن أمور سرائرهم إلى الله. وأما نحن فنحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى الظاهر أقوالهم وأفعالهم أو معناه هذا القتال وهذه العصمة إنما هو من أحكام الدنيوية وهو مما يتعلق بنا.

وأما الأمور الأخروية من دخول الجنة والنار والثواب والعقاب وكميتها وكيفيتها هو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لها فيه، وأما تعلق هذا الباب بكتاب الإيمان فهو أن يعلم منه أن من آمن صار معصومًا. ويحتمل أن يكون من جهة أن يعلم أن الإقامة والإيتاء من جملة الإيمان.

وفيه قبول توبة الزنديق أي الذي ينكر الشرع جملة وإن تكرر منه الارتداد وهو الصحيح وفيه خلاف مشهور.

[1] في هامش المخطوط أقول قيل ابن الزنديق الذي لا يعتقد دينًا وأما الذي يبطن الكفر منافق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت