فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 3844

فيه حديث ابن مسعود وحديث أنس

أما حديث ابن مسعود فقال فيه كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة الحديث. هذا الحديث أخرجه أثر الباب الذي بعده عن عثمان بن أبي شيبة بسنده عن الأعمش به، وأخرجه (م) في التوبة عن أبي بكر بن أبي شيبة.

ورواية قد سلفوا غير محمد بن يوسف، وهو الإمام الثقة أبو عبد الله محمد بن يوسف بن واقد الفريابي الضبي، مولاهم سكن قيسارية من ساحل الشام.

أدرك الأعمش وروى عنه، وعن السفيانين وغيرهم، وعنه أحمد والذهلي وغيرهما، أكثر عنه (خ) ، وروى (م) والأربعة عن رجل عنه.

وقال (خ) كان من أفضل أهل زمانه. مات في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين.

و (( يتخولنا ) )بالمعجمة يصلحنا ويقوم علينا، يقال خال المال يخول خولًا إذا ساسه وأحسن القيام عليه. والخائل المتعاهد ص 305 للشيء المصلح له.

الخطابي يتخولنا يتعهدنا ويراعي الأوقات في وعظنا ويتحرى منها ما كان مظنة القبول، ولا يفعله كل يوم لئلا نسأم، ومثله التخون بالنون.

قال أبو عمرو الشيباني فيما حكاه صاحب (( الغريبين ) )الصواب يتحولنا بالحاء المهملة أي يطلب أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة فيعظهم ولا يكثر عليهم فيملوا. وكان الأصمعي يرويه (( يتخوننا ) )بالنون والمعجمة؛ أي يتعهدنا. حكاه صاحب (( مجمع الغرائب ) )وابن الأثير.

والسآمة الملل، يقال سئمت أسأم سأمًا وسآمًا وسآمة إذا مللته، ورجل سئوم.

وأراد صلى الله عليه وسلم الرفق بأمته؛ ليأخذوا الأعمال بنشاط وحرص عليها، وقد وصفه تعالى بذلك حيث قال {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة128] الآية.

والحديث الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( يسروا ولا تعسروا إلى آخره ) ).

هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى، وفي الأدب، عن آدم، عن شعبة به، وفيه (( وسكنوا ) )بدل (( ويسروا ) )، وكذا جاء في (م) فإنه أخرجه في المغازي، بسنده عن شعبة به.

فوقع للبخاري عاليا رباعيًا من طريق آدم، وآدم مما انفرد به عن (م) .

ورواية أبو التياح اسمه يزيد بن حميد الضبعي، من أنفسهم، سمع أنسًا وعمران بن حصين وخلقًا من التابعين، ومن بعدهم، قال أحمد

هو ثبت ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة.

ومحمد بن بشار هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري بندار، لقب بذلك لأنه كان بندار الحديث، جمع حديث بلده، والبندار الحافظ البارع، الثقة، ولا عبرة بمن لينه.

قال أحمد كتبت عنه نحوًا من خمسين ألف حديث. روى عنه (خ، م) والأربعة وخلق منهم الرازيان وابن خزيمة، وعنه قال كتبت عن خمسة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سنة، وولدت سنة سبع وستين ومائة. قال (خ) ومات في رجب سنة اثنتين وخمسين. يعني ومائتين.

وإنما جمع بين هذه الألفاظ وهي (( يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا ) ). فذكر الشيء وضده؛ لأنه قد يفعلها في وقتين، فلو اقتصر على يسروا صدق ذلك على من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات، فلما قال (( ولا تعسروا ) )انتفى التعسير من كل وجه، وهذا هو المطلوب، وكذا يقال في {بشروا ولا تنفروا} ، ثم إن المحل قابل للإسهاب وكثرة الألفاظ الشبيهة بالوعظ. والبشارة بكسر الباء وضمها الخبر الذي يغير البشرة، وهي عند الإطلاق للخير.

وفي الحديث التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف، وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، فيتألف التائب ويتلطف به، ويدرج في أنواع الطاعة قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التلطف على التدريج، ومتى يسر على المريد للطاعة سهلت عليه وتزايد فيها، ومتى عسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك عدم دوامه.

قال والدي رحمه الله تعالى

عطف العلم على الموعظة من باب عطف العام على الخاص عكس وملائكته وجبريل.

قوله (( لئلا ينفروا ) )أي لئلا يميلوا عنه ويتباعدوا منه.

قوله (( كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخولنا ) )فإن قلت ص 306 كان لثبوت خبرها ماضيًا، ويتخولنا إما حال أو استقبال فما وجه الجمع بينهما. قلت كان قد يراد به الاستمرار وكذا الفعل المضارع فاجتماعهما يفيد شمول الأزمنة. قال الأصوليون قولهم كان حاتم يكرم الضيف يفيد تكرر الفعل في الأزمان.

قوله (( السآمة ) )مثل الملالة بناء ومعنى. فإن قلت يقال سئمت من الشيء مستعملًا بمن فأين صلته. قلت محذوف تقديره من الموعظة.

فإن قلت هل يصح أن يكون المراد من السآمة سآمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من القول. قلت لا ويدل عليه السياق.

فإن قلت بم يتعلق لفظ علينا. قلت إما بالسآمة يتضمن معنى المشقة فيها؛ أي كراهة المشقة علينا أو بتقدير الصفة أو الحال أي السآمة الجارية علينا أو الطارئة علينا وإما بمحذوف أي شفقة علينا إذ المقصود بيان رفقه عليه الصلاة والسلام بالأمة وشفقته عليهم ليأخذوا منه بنشاط وحرص لا عن ضجر وملال.

قوله (( يسروا ) )من اليسر نقيض العسر. فإن قلت الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في (( ولا تعسروا ) )؟ قلت لا نسلم ذلك ولئن سلمنا فالغرض التصريح بما لزم ضمنًا للتأكيد.

قوله (( وبشروا ) )من البشارة؛ أي الإخبار بالخبر نقيض الإنذار؛ أي الإخبار بالشر. فإن قلت المناسب أن يقال بدله ولا تنذروا؛ لأن الإنذار هو نقيض التبشير. قلت المقصود من الإنذار التنفير فصرح بما هو مقصود منه.

وهذا الحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خير الدنيا والآخرة؛ لأن الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجزاء، فأمر صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور تحقيقًا لكونه رحمة للعالمين في الدارين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت