الخطاب في قوله تعالى {فاعلم أنه لا إله إلا الله} للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره، ويجوز كما قال الواحدي أن يكون المعنى أقيم على ذلك العلم وأثبت عليه، ويجوز أن يكون متعلقًا بما قبله على معنى إذا جائتهم الساعة فاعلم ذلك، وأنه لا ملك لأحد إلا له.
قوله (( وإن العلماء ورثة الأنبياء ) )هذا حديث مطول أخرجه (ت) من حديث محمود بن خداش، بسنده عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا ) )الحديث.
ثم قال كذا حدثناه محمود، وإنما يروي عن عاصم، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء، وهذا أصح ص 302 ولا يعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم، وليس إسناده عندي بمتصل.
قال الدارقطني عاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء قال والمحصل من علة هذا الخبر هو الجهل بحال راويين من رواية، والاضطراب فيه ممن لم يثبت عد إليه. وسموا ورثة الأنبياء لقوله تعالى {ثم أورثنا الكتاب للذين اصطفينا من عبادنا} .
قوله (( ومن سلك طريقًا ) )الحديث، قد علمت أن هذا أول الحديث المذكور، لكنه ثابت في (م) من حديث أبي هريرة في جملة حديث طويل أوله (( من نفس عن مؤمن كربة ) )و (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة ) ).
ومعنى يخشى يخاف، قال ابن عباس إنما يخاف الله من خلقه من علم جبروته وعزته وسلطانه، وقال مقاتل أشد الناس لله خشية أعلمهم به.
قال مجاهد والشعبي من خشي الله فهو عالم، ومعنى قوله {وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت43] أي وما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله، وقوله إنما العلم بالتعلم، هذا قد ورد في حديث مرفوع بإسناد منقطع رواه أبو بكر الخطيب في كتاب التقية والمنفقة من حديث مكحول عن معاوية ولم يسمع منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أيها الناس، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ) ).
قوله (( وقال النبي صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) )هذا التعليق قد أسنده قريبًا من حديث معاوية رضي الله عنه.
قوله (( وقال أبو ذر لو وضعتم الصمصامة ) )إلى آخره، رويناه من حديث الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن مرثد بن أبي مرثد، عن أبيه قال جلست إلى أبي ذر الغفاري إذ وقف عليه رجل فقال ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر والله لو وضعتم الصمصامة على هذه، وأشار إلى حلقه على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنفذتها قبل أن يكون ذلك.
الصمصامة بفتح المهملتين السيف بحد واحد، قال ابن سيده والجوهري الصمصامة والصمصمام السيف الصارم الذي لا ينثني.
ومعنى قوله (( قبل أن تجيزوا علي ) )أي تقطعوا على أن تقطعوا رأسي، وأراد رضي الله عنه بذلك الحض على العلم والاغتباط بفضله، حيث سهل عليه قتل نفسه في جنب ما يرجو من ثواب نشره وتبليغه.
فيؤخذ منه أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة، ويحتمل الأذى ويحتسبه رجاء ثواب الله، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى.
قوله (( وقال ابن عباس {كونوا ربانيين} [آل عمران79] علماء فقهاء ) )هذا التعليق رواه الخطيب في كتاب (( الفقيه والمتفقه ) )بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير، عنه.
والرباني المتأله العارف بالله تعالى، قاله الجوهري وغيره، وربيت القوم سستهم أي كنت فوقهم. وقال أبو نصر من الربوبية أي معرفتها.
وقال الإسماعيلي منسوب إلى الرب كأنه الذي يقصد قصد ما أمره الرب، وقال أحمد بن يحيى إنما قيل للعلماء الربانيون؛ لأنهم يربون العلم، أي يقومون به، وقيل لأنهم أصحاب العلم وأربابه، وزيدت الألف والنون للمبالغة. وقيل أصله من رب الشيء إذا ساسه وقام به ص 303 ثم زيد ياءً. وقيل من معنى التربية، كانوا يربون المتعلم بصغار العلم قبل كباره وهو ما حكاه (خ) ، وقال ابن الأعرابي لا يقال للعالم رباني حتى يكون عاملًا معلمًا.
وفي موضع آخر هو العالي الدرجة في العلم. وقال مجاهد فيما حكاه الخطيب في كتاب (( الفقيه والمتفقه ) )الربانيون الفقهاء وهم فوق الأحبار.
قال أبو عبيد أحسب الكلمة ليست بعربية، وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين، سمعت رجلًا عالمًا بالكتب يقول الربانيون العلماء بالحلال والحرام.
وفي (( جامع القزاز ) )الربي والجمع الربيون هم العباد الذين يصحبون الأنبياء ويصبرون معهم، وهم الربانيون، نسبوا إلى عبادة الرب سبحانه وتعالى. وقيل هم العلماء الصبر. قال القزاز وأنا أرى أن يكون عربيًا.
ومقصود (خ) بما ترجمه أن العمل لا يكون إلا مقصودًا به معنى متقدمًا وهو العالم بما يفعله وما يترتب عليه من الثواب، فعند ذلك يخلص فيه ويقصد به الثواب، ومتى خلا العمل عن ذلك فليس بعمل.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( العلم قبل القول والعمل ) )يعني أن الشيء يعلم أولًا ثم يقال ويعمل به فالعلم مقدم عليهما بالذات وكذا مقدم عليهما بالشرف؛ لأنه عمل القلب وهو أشرف أعضاء البدن.
ابن بطال العمل لا يكون إلا مقصودًا به معنى متقدمًا، وذلك الشيء هو علم ما وعد الله عليه من الثواب.
قوله (( فبدأ بالعلم ) )حيث قال {فاعلم أنه لا اله إلا الله} ثم قال {واستغفر لذنبك} والاستغفار إشارة إلى القول والعمل ويعلم من الآية أن التوحيد مما يجب العلم به ولا يجوز فيه التقليد، ومذهب أكثر المتكلمين أن إيمان المقلد في أصول الدين غير صحيح، وقال محيي السنة يجب على كل مكلف معرفة علم الأصول ولا ينفع فيه التقليد بظهور دلائله.
قوله (( أن العلماء ) )بفتح أن وهو ظاهر ويروى بكسرها على تقدير باب هذه الجملة أو على سبيل الحكاية.
قوله (( ورثوا ) )بفتح الواو وتشديد الراء المفتوحة والمكسورة، وبفتح الواو وكسر الراء المخففة، و (( أخذ ) )أي من ميراث النبوة (( بحظ وافر ) )أي كثير كامل.
قوله (( علمًا ) )إنما نكر ليتناول أنواع العلوم الدينية وليندرج فيه القليل والكثير. و (( سهل الله له ) )أي في الآخرة إذ المراد وفقه الله للأعمال الصالحة فيوصل بها إلى الجنة أو سهل عليه ما يزيد به علمه؛ لأنه أيضًا من طرق الجنة بل أقربها، ومن لفظ وأن العلماء إلى ههنا ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم، وذكره (خ) تعليقًا؛ لأنه ليس بشرطه.
قوله (( أو نعقل ) )أي نعلم وحذف مفعول نعقل؛ لأنه جعل كالفعل اللازم، فمعناه لو كنا من أهل العلم لما كنا من أهل النار.
قوله (( يفقهه ) )أي يفهمه إذ الفقه الفهم، ويحتمل أن يراد به المعنى الاصطلاحي أي الفهم للأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وفي بعض الروايات (( يفهمه ) ).
قوله (( بالتعلم ) )وفي بعضها (( بالتعليم ) )أي نفس العلم المعتبر لا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم والتعليم، فيفهم منه أن العلم لا يطلق إلا على علم الشرع، ص 304 ولهذا لو أوصى رجل للعلماء لا يصرف إلا على أصحاب الحديث والتفسير والفقه.
قوله (( هذه ) )إشارة إلى القفا والقفا مقصور وهو جزاء العنق يذكر ويؤنث. و (( أنفذ ) )بضم الهمزة والدال المنقطة؛ أي ظننت أني أقدر على إنفاذ كلمة أي تبليغها و (( تجيزوا ) )أي الصمصامة (( علي ) )أي على قفاي.
فإن قلت لو لامتناع الثاني لامتناع الأول على المشهور فمعناه انتفى الإنفاذ لانتفاء الوضع وليس المعنى عليه. قلت هو مثل لو لم يخف الله لم يعصه يعني الحكم ثابتًا على تقدير النقيض بالطريق الأولى، فالمراد أن الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع فعلى تقدير عدم الوضع حصوله أولى، أو إن لو ههنا لمجرد الشرطية يعني حكمها حكم أن من غير أن يلاحظ الامتناع، وفيه بيان لفضيلة التعلم والتعليم.
قوله (( حكماء ) )جمع حكيم والحكمة صحة القول والعقد والفعل، وقيل الحكمة والفقه في الدين، وقيل الحكمة معرفة الأشياء على ما هي عليه.
و (( الفقهاء ) )جمع الفقيه والفقه الفهم لغة، والعلم بالأحكام الشرعية العملية اصطلاحًا، وفي بعضها (( حلماء ) )جمع حليم باللام، والحلم هو الطمأنينة عند الغضب، وفي بعضها (( علماء ) )وهو من باب عطف الخاص على العام، والظاهر أن حلماء فقهاء تفسير للربانيين.
قوله (( بصغار العلم قبل كباره ) )أي بجزئياته قبل كلياته أي بفروعه قبل أصوله أو بمقدماته قبل مقاصده، ولفظ (( ويقال ) )هو من كلام (خ) لا من كلام ابن عباس.
فإن قلت هذا كله هو الترجمة فأين ما هذه ترجمته. قلت إما أنه أراد أن يلحق الأحاديث المناسبة إليها فلم يتفق له، وإما أنه للإشعار بأنه لم يثبت عنده بشرطه ما يناسبها، وإما أنه اكتفى بما ذكره تعليقًا؛ لأن المقصود من الباب بيان فضيلة العلم، ويعلم ذلك من المذكور آية وحديثًا وإجماعًا سكوتيًا من الصحابة بحيث انتهى إلى حد علم الضرورة فلم يحتج إلى الزيادة أو لسبب آخر والله أعلم.
الزركشي
قوله (( تجيزوا ) )بتاء مضمومة وجيم مكسورة وزاي، أي تقتلوني وتنفذون في أمركم.