فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 3844

قال ابن الملقن

عن عبد الله بن عمرو قال تخلف النبي صلى الله عليه وسلم عنا في سفرة سافرها، وقد أرهقتنا الصلاة. الحديث. هذا الحديث أخرجه قريبًا في العلم عن مسدد، وفيه وقد أرهقنا الصلاة صلاة العصر، وفي الطهارة عن موسى وفيه فأدركنا وقد أرهقنا العصر.

ورواية أبو النعمان محمد، وأبو عوانة الوضاح سلفًا، وكذا عبد الله بن عمرو.

وأما يوسف بن ماهك بفتح الهاء والكاف، لا ينصرف؛ للعجمة والعلمية فارسي مكي تابعي ثقة، سمع ابن عمر وعائشة وغيرهما، وسمع والده ماهك. واسم أمه مسيكة. وقال الدارقطني بل ماهك ويذكر عن أبي داود وعلي بن المديني أن يوسف بن ماهك ويوسف بن ماهان واحد، مات سنة ثلاث عشرة ومائة.

والراوي عنه أبو بشر جعفر بن أبي وحشية وهو من قومه، روى عنه شعبة وهشيم، مات سنة خمس وعشرين ومائة.

لما ذكر ابن ماجه من حديث جابر (( ويل للعراقيب ) )قال هذا أعجب إلي من حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره (خ، م) . وقد أخرجه (م) من حديث أبي هريرة أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا لم يغسل عقبه فقال (( ويل للأعقاب ) )وقد أخرجه (خ) عنه في الطهارة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

هذه السفرة قد جاءت مبينة في بعض طرق مسلم رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا في الطريق فعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، الحديث.

قوله (( أرهقتنا الصلاة ) )هو برفع الصلاة على أنها الفاعل أي أعجلتنا؛ لضيق وقتها، وروي أرهقنا الصلاة بالنصب على أنها مفعوله؛ أي أخرنا الصلاة حتى كادت تدنو من الأخرى. قال القاضي وهذا أظهر.

قال صاحب (( الأفعال ) )أرهقت الصلاة أخرتها، وأرهقته أدركته. وقال الخليل أرهقنا الصلاة استأخرنا عنها. وقال أبو زيد رهقنا الصلاة إذا حانت. وقال أبو عبيد رهقت القوم غشيتهم ودنوت منهم. وقال ابن الأعرابي رهقته وأرهقته بمعنى دنوت منه.

وقال الجوهري رهقته بالكسر يرهقه رهقًا غشيه، قال تعالى {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} [يونس26] وقال أبو زيد أرهقه عسرًا إذا كلفه إياه، فقال لا ترهقني لا أرهقك الله؛ أي لا تعسرني لا أعسرك الله.

وقيل في قوله تعالى {ولا ترهقني من أمري عسرًا} [الكهف73] ص 276 أي تلحق بي، من قولهم رهقه الشيء إذا غشيه، وقيل لا تعجلني.

(( ويل ) )من المصادر التي لا أفعال لها وهي كلمة عذاب وهلاك، وهي مقابل ويح يقال لمن وقع فيما لا يستحقه ويحه ترحمًا عليه، وعن أبي سعيد الخدري ويل واد في جهنم لو أرسلت عليه الجبال لماعت من حره. وقيل ويل صديد أهل النار.

قوله (( الأعقاب ) )جمع عقب، وهو مؤخر القدم، وعقب كل شيء آخره، وهي مؤنثة، وقال الأصمعي العقب هو ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك. وقال ثابت العقب ما فضل من مؤخر القدم إلى الساق. ويقال عقب وعقب بكسر القاف وسكونها.

وإنما خص عليه السلام الأعقاب بالعقاب؛ لأنها التي لم تغسل، ويحتمل أن يريد صاحبها، ففيه حذف المضاف، والألف واللام في الأعقاب للعهد، ويحتمل أن تكون للعموم.

وهذا الحديث مما ورد على سبب وفيه كثرة يحتمل إفراده بالتأليف.

وفيه من الأحكام

وجوب استيعاب غسل الرجلين، وأن المسح غير كاف ولا يجب مع الغسل المسح، وهو إجماع من يعتد به.

وقد ترجم عليه (خ) في الطهارة، باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، ففهم منه أن القدمين لا يمسحان، بل يغسلان، لكن رواية (م) السالفة وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء.

قد تفسر الرواية هنا فجعلنا نمسح على أرجلنا، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق، وقد يؤول على أن المراد لم يمسها الماء للغسل وإن مسها بالمسح، فيكون الوعيد وقع على الاقتصار على المسح فقط.

وفي (( صحيح ابن خزيمة ) )من حديث عمرو بن عنبسة الطويل (( ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى ) )وهو دال على أن الله تعالى أمر بغسلهما فلا عبرة إذًا بقول الشيعة إن الواجب المسح، ولا بقول ابن جرير، والجبائي من المعتزلة إنه مخير بينه وبين الغسل، ولا بإيجاب بعض الظاهرية الجمع بينهما، وقراءة الجر في الآية محمولة على النصب أو من باب عطف الجوار.

وفيه وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر وأن ترك البعض منها غير مجزئ.

وفيه تعليم الجاهل وإرشاده.

وفيه أن الجسد يعذب، وهو مذهب أهل السنة.

وفيه جواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم.

وفيه أن العالم ينكر ما يرى من التضييع للفرائض والسنن ويغلظ القول في ذلك ويرفع صوته للإنكار.

وفيه تكرار المسألة توكيدًا لها، ومبالغة في وجوبها. واعلم أن الصحابة إنما أخروا الصلاة عن الوقت الفاضل طمعًا في صلاتها مع الشارع فلما خافوا فوتها استعجلوا فأنكر عليهم نقصهم الوضوء.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( يوسف ) )هو ابن ماهك بن بهزار بضم الباء وبكسرها وبالزاي فارسي مكي؛ لأنه من الفرس ونزل مكة ولم يكن له ولاء ينتمي إليه مات سنة ثلاثة عشر ومائة.

النواوي ماهك بفتح الهاء غير مصروف؛ لأنه اسم أعجمي قال الأصيلي بكسرها وصرفه. فإن قلت فيه العجمة والعلمية. قلت شرط ص 277 العجمة مفقودة وهو العلمية في العجمة؛ لأن ماهك معناه القمير فهو إلى الوصف أقرب.

قوله (( عبد الله بن عمرو ) )بالواو يعني عمرو بن العاص القرشي أسلم عبد الله قبل والده، وكان بينهما في السن اثنتا عشرة أو إحدى عشرة مات بمكة أو بالطائف أو بمصر سنة ثلاث أو خمس أو سبع وستين ليالي الحرة في ولاية يزيد بن معاوية.

قوله (( سافرناها ) )الضمير وقع مفعولًا مطلقًا؛ أي سافرنا تلك السفرة، وذلك كقولهم زيد أظنه منطلق أي زيد منطلق أظن الظن أو ظنًا.

قوله (( فأدركنا ) )أي لحق بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وقد أرهقتنا الصلاة ) )أي غشينا وقتها، وفي بعض الروايات (( أرهقنا ) )بفتح القاف ورفع الصلاة؛ لأن الصلاة مؤنث غير حقيقي، وفي بعضها (( أرهقتنا ) )بسكون القاف ونصب الصلاة؛ أي أخرنا الصلاة حتى يدنو وقت الصلاة الأخرى. قال ابن السكيت أرهقنا الصلاة استأخرنا عنها حتى دنا وقت الأخرى وأرهقنا الليل دنا منا، وأرهقنا القوم لحقونا.

قوله (( فجعلنا ) )هو من أفعال المقاربة. فإن قلت لا أرجل للرجل بل رجلان فالقياس أن يقال على رجلينا، قلت الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع فتوزع الأرجل على الرجال.

فإن قلت كيف لكل رجل رجل. قلت جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين والفعل يعين المقصود سيما فيما هو محسوس.

فإن قلت المسح على ظهر القدم على الرجل كلها. قلت أطلق الرجل وأريد البعض أي القدم والقرينة العرف إذ المعهود مسح ذلك.

قوله (( الأعقاب ) )جمع العقب بكسر القاف وهو مؤخر القدم. فإن قلت اللام للاختصاص التابع، والمشهور أن اللام تستعمل في الخير وعلى في الشر نحو {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} قلت هو للاختصاص ههنا نحو {وان أسأتم فلها} ونحو {ولهم عذاب أليم} .

قال محي السنة معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها. نحو {واسئل القرية} وقيل أراد أن العقب يخص بالعذاب إذا قصر في غسلها [1] قال وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء.

وأقول وجه الاستدلال به أن الوعيد بالنار لعدم طهارتها ولو كان المسح كافيًا لما أوعد من ترك غسل العقب بالنار أو لأن من قال بالمسح ما قال بالوجوب مسح الأعقاب، فدل على أن المراد الغسل وإنما قال يمسح إشارة إلى تقليل استعمال فيه وعدم الإسباغ، أو أراد بالمسح الغسل لما روي عن أبي زيد الأنصاري أنه قال المسح في كلام العرب قد يكون غسلًا، ومنه يقال مسح الله ما بك؛ أي غسل عنك وطهرك.

فإن قلت ظاهر القرآن {وأرجلكم} بالخفض يدل على وجوب المس عليهما. قلت قراءة الجر تعارض قراءة النصب فلا بد من تأويل وتأويل الجر بأنه على المجاورة كقولهم جحر ضب خرب أولى من تأويل ص 287 النصب بأنه محمول على محل الجار والمجرور لأنه الموافق للسنة الثابتة الشائعة فيجب المصير إليه، واقتصر الاستدلالات عليه أن جميع من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن متعددة متفقون على غسل الرجلين.

قوله (( أو ثلاثًا ) )شك من عبد الله بن عمرو. قال ابن بطال إنما ترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في الوقت الفاضل لأنهم كانوا على طمع من أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيصلوا معه لفضل الصلاة معه فلما ضاق عليهم الوقت وخشوا فواته توضئوا مستعجلين ولم يبالغوا في وضوئهم فأدركهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك فزجرهم وأنكر عليهم نقصهم الوضوء بقوله {ويل للأعقاب} انتهى كلامه.

أقول فيما قاله من أنهم كانوا على طمع إلى آخره، فإن ذلك دليل لتأخيرهم الصلاة لكي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم لا لاستعجالهم في غسلات أعضاء الوضوء، وكان من الممكن أن يتوضئوا وضوءًا كاملًا بالإسباغ التام، وينتظروا النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة بطهارة كاملة وهو الأولى في كل الصلوات أنه يتوضأ وينتظر الجماعة لا أنه لا يتطهر إلى أن تحضر الجماعة ثم يبادر ويتوضأ وأيضًا إكمال غسل الأعضاء واجب والصلاة مع النبي عليه السلام غير واجبة، فمراعاة الواجبة أولى قطعًا فلا يصير هذا عذرًا شرعيًا يعتد به بل لو كان في آخر الوقت فتكميله هو هو أولى بل واجب في مراعاة الوقت فالصلاة في غير الوقت بوضوء كامل خير من الصلاة بوضوء ناقص هذا ظاهر لا ريب فيه فتأمله، فإنه دقيق لم يتعرض له والدي رحمه الله ولا غيره انتهى.

قال وهذا الحديث تفسير لقوله تعالى {فامسحوا برءوسكم وأرجلكم} والمراد منه غسل الأرجل لا مسحها، واحتج الخصم بأنه لما كان حكم الوجه واليد في الوضوء الغسل وحكم الرأس المسح، وسقط التيمم عن الرأس والرجلين فحكمها بحكم الرأس أشبه.

وفيه أن للعالم أن ينكر ما رآه من التضييع للفرائض والسنن وأن يغلط القول في ذلك ويرفع صوته بالإنكار، وفيه تكرار المسألة توكيدًا لها ومبالغة في وجوبها، وفيه حجة في جواز رفع الصوت في المناظرة بالعلم، وذكر ابن عيينة قال مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه وقد ارتفعت أصواتهم بالعلم [2] .

قال الزركشي (( أرهقتنا الصلاة ) )قال القاضي يروى برفع (( الصلاة ) )على أنها الفاعل، أي أعجلتنا لضيق وقتها، وبالنصب على أنها مفعولة؛ أي أخرنا الصلاة حتى كادت تدنو من الأخرى.

قال صاحب «الأفعال» أرهقت الصلاة أخرتها، وأرهقته أدركته.

[1] في هامش المخطوط أقول المقصر يستحق العذاب لا القصو المقصر في مستحقه فيه إشكال إذ المقصر له اختيار فيعذب والقصو لا اختيار له لكن يعذب العقب قلت هو مثل قوله تعالى ?فتكوى بها جباههم? الآية، لأنه منع الزكاة من هذه الجهات فيعذب تلك الجهات وبالحقيقة المانع معذب فلذا هنا صاحب العقب معذب.

[2] في هامش المخطوط وأما رفع الصوت بالمناظرة فقال العلماء الأولى المناظرة في سكون وتودد من غير شغب وعياط يحكى أن أبا حنيفة رضي الله عنه رأى اثنين من أصحابه يتناظران في مسألة فقيل أن يقبل إليهما قال الحق مع الذي كان منهما يتكلم في سكون فقال له المناظر الآخر الذي كان يرفع صوته كيف قلت هذا ولم تعلم بعد ... قال صياحك دليل على عدم صحة مقالتك ولو كنت محقًا لتكلمت برفق وسكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت