فيه حديث ابن عمر أن عبد الله بن أبي لما توفي .. الحديث.
وحديث جابر أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي .. الحديث.
هذه الترجمة ضبطها الدمياطي بخطه. ص 1323
(( يكف ) )بضم أوله وفتح ثانيه، وقال في (( الحاشية ) )صوابه الذي يكفي أو لا يكفي بالياء وليته اقتصر على الأول، وتبع في الثاني المهلب فإنه قال ذلك، قال ومعناه طويلًا كان ذلك القميص أو قصيرًا فإنه يجوز الكفن فيه، وكان عبد الله بن أبي طويلًا، ولذلك كسا العباس قميصه، وكان العباس بائن الطول.
وقال ابن التين هكذا وقعت هذه الترجمة فضبطها بعضهم بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الفاء، وبعضهم بإسكان الكاف وكسر الفاء، وقرأه بعضهم بضم الكاف وتشديد الفاء وضمها والأول أشبه بالمعنى.
وحديث ابن عمر أخرجه (خ) هنا والتفسير واللباس، و (م) في فضل عمر والتوبة واللباس و (ت) في التفسير و (س) فيه وفي الجنائز، و (ق) في الجنائز.
وحديث جابر ذكره في الباب أيضًا واللباس والجهاد و (م، س) وفيهما دلالة على الكفن في القميص، وأجاب المخالف بأنه عليه السلام إنما دفعه إليه للمكافأة؛ لأنه لما أتي بأسارى بدر كان العباس في جملتهم، ولم يكن عليهم ثوب فنظر عليه السلام له قميصًا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه عليه السلام إياه فكافأه عليه السلام بأن كفنه في قميصه، كما يأتي في (خ) في باب هل يخرج الميت من القبر لعلة؛ لئلا يكون لكافر عليه يد.
وأراد أن يخفف عنه من عذابه ما دام ذلك القميص عليه، ورجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهر من الإسلام فينفعه الله بذلك، ويدل عليه أن الله تعالى إنما أعلمه بأمره ونهاه عن الصلاة عليه وعلى غيره بعد ما صلى عليه، وأما حين صلى عليه لم يعلم حقيقة أمره ولا باطنه، ويجوز أن يكون فعله تألفًا لابنه ولعشيرته.
وروى عبد بن حميد في (( تفسيره ) )أنه أوصى النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه إليه بأن تشهد غسلي إذا مت وتكفني في ثلاثة أثواب من ثيابك وتمشي مع جنازتي وتصلي علي ففعل.
وقال الحاكم مرض ابن أبي في شوال عشرين ليلة وهلك في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله عليه السلام من تبوك، وكان صلى الله عليه وسلم يعوده، وقال له وهو يجود بنفسه إذا مت احضر غسلي وأعطني قميصك أكفن فيه، فأعطاه قميصه الأعلى، وكان عليه قميصان، فقال عبد الله أعطني قميصك الذي يلي جسدك، فأعطاه إياه، وصلى عليه واستغفر له.
وفي (( المعاني ) )للزجاج أن ابن أبي هو الذي رد الثوب الأول ليأخذ الثاني، وقال (( إن قميصي لن يغني عنه شيئًا من الله إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام بهذا السبب ) ). فيروى أنه أسلم من الخزرج ألف لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالصلاة عليه فنزل {ولا تصل على أحد} الآية [التوبة84] .
وقال ابن التين لعل هذا كان في أول الإسلام قبل الأحكام؛ لأن من مات له والد كافر لا يغسله ولده المسلم ولا يدخل قبره إلا أن يخاف أن يضيع فيواريه، نص عليه مالك في (( المدونة ) ). وقال الطبري يجوز أن يقوم على قبر والده الكافر لإصلاحه ودفنه.
قوله (( أنا بين خيرتين ) )قال الداودي هو غير محفوظ، والمحفوظ ما رواه أنس من جعل النهي بعد قوله أليس قد نهاك الله. وليس القرآن بمعنى التخيير، وإنما هو بمعنى النفي، ولا نسلم له بل هو صحيح محفوظ، وذكر السبعين على التكثير، وكأن عمر فهم النهي من الاستغفار لاشتمالها عليه، وروي أن جبريل أخذ برداء رسول الله لما تقدم ليصلي عليه ص 1324 فقال {ولا تصل على أحد منهم} الآية [التوبة84] .
وروي أنه عليه السلام قال (( لأستغفرن لهم أكثر من سبعين ) )فنزلت {سواء عليهم أستغفرت لهم} [المنافقون6] الآية فتركه. واستغفار الشارع لسعة حلمه عمن يؤذيه، أو لرحمته عند جريان القضاء عليهم، أو إكرامًا لولده.
وقيل معنى الآية الشرط أي إن شئت فاستغفر، وإن شئت فلا. وقيل معناه هما سواء، وقيل معناه المبالغة في اليأس. وقال الفراء ليس بأمر، إنما هو على تأويل الجزاء. وقال النحاس منهم من قال {استغفر لهم} [التوبة80] منسوخ بقوله {ولا تصل} [التوبة84] ومنهم من قال لا، بل هي على التهديد لهم.
وتوهم أن قوله {ولا تصل} ناسخ لقوله {وصل عليهم} [التوبة103] ، وغلط فإن تلك نزلت في أبي لبابة وجماعة معه لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم من تبوك.
والحديث الثاني مضاد الأول أنه أخرجه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه، وهناك أعطى قميصه لولده. قال الداودي الله أعلم أي الأمرين كان، ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء الإنعام، قاله ابن التين، أو أنه خلع عنه القميص الذي كفن فيه وألبسه سيدنا رسول الله قميصه بيده الكريمة.
وقال ابن الجوزي يجوز أن يكون جابر شهد ما لم يشهده ابن عمر، ويجوز أن يكون أعطاه قميصين قميص الكفن ثم أخرجه فألبسه آخر، وكان ذلك إكرامًا لولده أو لأنه ما سئل شيئًا قط فقال لا.
وروى عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه عليه السلام لم يخدع إنسانًا قط غير أن ابن أبي قال يوم الحديبية كلمةً حسنةً وهي أن الكفار قالوا له طف أنت بالبيت فقال لا، لي في رسول الله أسوةٌ حسنة، فلم يطف.
قال الإسماعيلي وفيه جواز المسألة لمن عنده حدة تبركًا، وعبد الله بن أبي هذا هو الذي {تولى كبره} [النور11] في قصة الصديقة، وهو الذي قال {ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون8] ، وقال {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} [المنافقون7] ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والبابان بعده سلفا قريبًا.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( يكف أو لا يكف ) )أي الذي خيط حاشيته أم لا، وكفة الثوب هي حاشيته، وكففت الثوب خطت حاشيته، وفي بعضها (( يكفي أو لا يكفي ) ).
التيمي يحتمل أن يريد بقوله (( يكف ) )المخيط وبقوله (( لا يكف ) )غير المخيط، وأن يريد (( يكفي ولا يكفي ) )بإثبات الياء وقد سقطت الياء من النسخة.
قوله (( ابنه ) )وكان اسمه الحباب بضم المهملة وخفة الموحدة الأولى، فسماه رسول الله بعبد الله كاسم أبيه رئيس المنافقين فهو عبد الله بن عبد الله بن أبي بضم الهمزة وفتح الموحدة وشدة التحتانية الخزرجي، وهو من فضلاء الصحابة شهد المشاهد واستشهد يوم اليمامة في خلافة الصديق.
قوله (( أصلِّ عليه ) )بالجزم جوابًا للأمر وبعدم الجزم استئنافًا.
فإن قلت أين نهاه الله عن الصلاة على المنافقين، ونزول {لا تصل على أحد} بعد ذلك؟ قلت صلاة رسول الله عليهم متضمنة للاستغفار لهم وقد نهاه الله عن الاستغفار لهم قال {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} أو استفاد عمر رضي الله عنه من قوله {إن تستغفر لهم سبعين مرة} الآية إذا لم يكن للاستغفار نفع يكون عبئًا فيكون منهيًا عنه.
قوله (( خيرتين ) )تثنية الخيرة على وزن العنبة اسم من قولك اختاره الله أي أنا مخير بين أمرين هما الاستغفار وعدم الاستغفار فأيهما أردت اختاره. وفي الحديث فضيلة عمر. ص 1325
فإن قلت لم أعطى رسول الله قميصه للمنافق؟ قلت ما أعطى له بل لابنه مع أنه كان قبل النهي عن تعظيم موتى المنافقين.
قوله (( سحولة ) )بضم السين جمع السحل، وهو ثوب القطن لفظ الكرسف جاز له، والسحل أيضًا جاء بمعنى باب فمعناه أثواب مغسولة.
فإن قلت لم لا يجعله اسم القرية؟ قلت لأن تقديره حينئذ من سحول، وحديث حرف الجر من الاسم الصريح غير فصيح ولو صح الرواية بالإضافة فهو ظاهر.
الزركشي
قوله (( أعطاه قميصه ) )اختلف إعطاءه ذلك على أربعة أقوال
1 أن يكون أراد بذلك إكرام ولده.
2 أنه ما سئل شيئًا قط فقال لا.
3 أنه إن كان أعطى العباس قميصًا لما أسر يوم بدر، ولم يكن على العباس ثياب يومئذ فأراد أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عليه يد لم يجازه عليها.
3 أن ذلك قبل نزول {ولا تصل على أحد منهم} .
قوله (( جاء ابن أبي ) )إلى آخره هذا خلاف الحديث الذي قبله فيجوز أن يكون جابر شاهد من ذلك ما لم يشاهده ابن عمر، ويجوز أن يكون أعطاه قميصين قميصًا للكفن ثم أخرجه فألبسه آخر.
قوله (( خيرتين ) )بخاء معجمة مكسورة وياء مفتوحة تثنية خيرة، وقد استشكل التخيير مع قوله تعالى {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة113] .
فإن هذه نزلت بعد موت أبي طالب حين قال (( والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) )وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن مات كافرًا، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير.
وأجيب بأن النهي عنه في هذه الآية استغفار مرجو الإجابة حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم كما في أبي طالب بخلاف استغفاره للمنافقين فإنه استغفار لسان قصد به تطييب قلوبهم.