فيه ثلائة أحاديث
الأول حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته الحديث. هذا الحديث أخرجه (م) في العلم أيضًا عن ابن نمير وغيره.
وقد سلف التعريف برواته خلا مكي بن إبراهيم وهو أبو السكن مكي بن إبراهيم بن بشير _ بفتح الباء _ ابن فرقد البلخي الحنظلي الحافظ، أخو إسماعيل ووالد الحسن ويعقوب، سمع حنظلة وغيره من التابعين ص 337 وهو أكبر شيوخ (خ) من الخراسانيين؛ لأنه روى عن التابعين، وروى (م) والأربعة عن رجل عنه، وروى عنه أيضًا أحمد وغيره، وهو ثقة ثبت.
روي عنه أنه قال حججت ستين حجة، وتزوجت ستين امرأة، وجاورت بالبيت عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر من التابعين، ولد سنة ست وعشرين ومائة، ومات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين ببلخ. وليس في الكتب الستة مكي بن إبراهيم غيره.
وقد سلف أن معنى قبض العلم قبض أهله. وفي رواية لمسلم (( وينقص العلم ) )وكأنه والله أعلم قبل قبضه.
و (( الهرج ) )بإسكان الراء، وأصله الاختلاط والقتال، وكذا التهارج، ومنه يتهارجون تهارج الحمر أي يختلطون رجالًا ونساء، ويتناكحون مزاناة يقال هرجها يهرجها مثلث الراء إذا نكحها.
وقيل أصله الكثرة في الشيء، ومنه قولهم في الجماع بات يهرجها ليلة جمعًا. وقال ابن دريد الهرج الفتنة آخر الزمان.
قوله (( فقال بيده هكذا، فحرفها، كأنه يريد القتل ) ).
وفيه وفي ما قبله وفي الحديث الذي بعده، دلالة على أن الإشارة كالنطق، وسيأتي بيانه في باب الطلاق إن شاء الله تعالى، وفي حديث أسماء الآتي دلالة على جواز الإشارة في الصلاة والعمل القليل فيها، ومنه استنبط (خ) الفتيا بالإشارة.
الحديث الثاني
أتيت عائشة وهي تصلي فقلت ما ساق الناس الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) في مواضع هنا كما ترى، وفي الطهارة عن إسماعيل، وفي الكسوف عن عبد الله بن يوسف، وفي الاعتصام عن القعنبي، وفي الجمعة في باب من قال في الخطبة أما بعد، وفي الخسوف وفي السهو في باب الإشارة في الصلاة، وفي الخسوف مختصرًا عن الربيع بن يحيى وعن محمد المقدمي عن عثام في العتاقة، وأخرجه (م) في الخسوف عن أبي كريب.
وقد سلف رواية غير أسماء وفاطمة.
أما أسماء فهي بنت الصديق، وأم ابن الزبير من المهاجرات، هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله [1] .
روى عنها ابناها عروة وعبد الله، وحفيدها عباد. عمرت نحو المائة، ولم يسقط لها سن ولم يتغير لها عقل، وقصتها مع الحجاج مشهورة، وعاشت بعد صلب ابنها عشر ليال، ماتت بمكة سنة ثلاث وسبعين.
وهي ذات النطاقين، وكان مولدها قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة.
وأسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا. وطلقها الزبير، قيل لكبر سنها. وقيل لأنه ضربها فصاحت بابنها عبد الله، فلما رآه قال أمك طالق إن دخلت. فقال عبد الله تجعل أمي عرضة ليمينك، ودخل وخلصها وبانت منه. وقيل إن عبد الله قال لأبيه مثلي لا توطأ أمه. فطلقها، وفيه نظر.
وروى (م) عنها، قالت تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال الحديث، روي لها ستة وخمسون حديثًا، انفرد (خ) بأربعة، و (م) بمثلها، واتفقا على أربعة عشر.
وأما فاطمة فهي بنت المنذر بن الزبير بن العوام زوج هشام بن عروة، روت عن جدتها أسماء. وعن زوجها هشام ومحمد بن إسحاق، وأنكر عليه ونسب إلى الكذب في ذلك ولكنه ممكن، وهي تابعية ثقة، قال هشام هي أكبر مني بثلاث عشرة سنة.
وفي الحديث جواز الإشارة في الصلاة، والعمل القليل فيها.
و (( الغشي ) )قال القاضي رويناه في (م) وغيره بكسر الشين مع تشديد الياء، وإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغشاوة. ص 338 ورواية بعضهم بالعين المهملة، وليس بشيء.
ومعنى (( علاني ) )تجلاني، وأصله تجللني، وجل الشيء وجلاله ما غطي به، وذلك لطول القيام وكثرة الحر، ولذلك قالت فجعلت أصب على رأسي الماء.
وفيه أن الغشي الخفيف لا ينقض الطهارة. وقد عقد له (خ) بابًا في الطهارة.
قوله (( إلا رأيته في مقامي ) )يحتمل أن الرؤية رؤيا عين ولا مانع منه، ويحتمل أن يكون رؤية علم ووحي ممثلًا له، ويدل له رواية أنس في (خ) (( الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار ) ).
وفي (م) (( صورتا لي فرأيتهما ) )، والأول أشبه لقوله في بعضها (( فتناولت منها عنقودًا ) )وتأخره مخافة أن تصيبه النار.
وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان الآن؛ وهو مذهب أهل السنة، وهي خارجة عن أقطار السماوات والأرض وسقفها عرش الرحمن، والمراد بعرضها في قوله تعالى {عرضها كعرض السماء والأرض} [الحديد21] السعة كما قيل لا ضد الطول.
قوله (( مثل أو قريب ) )كذا في كثير من نسخ (خ) . قال القاضي وروينا عن الأكثرين في (( الموطأ ) )، ورويناه عن بعضهم (( مثلًا أو قريبًا ) )، ولبعضهم (( مثل، أو قريبًا ) )، وهو الوجه قال ابن مالك يروى في (خ) (( أو قريب ) )بغير تنوين والمشهور (( أو قريبًا ) ).
ووجهه أن ما يكون أصله مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما كان مثل مضافًا إليه، وترك على هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده، والمعتاد في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين كقول الشاعر
~أمام وخلف المرء من لطف ربه كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر
وجاء أيضًا في إضافة واحدة كما هو في الحديث.
وأما رواية (( قريب ) )بغير تنوين فأراد مثل فتنة الدجال، أو قريب الشبه من فتنة الدجال، فحذف المضاف إليه، وبقي (( قريب ) )على هيئته، وهذا الحذف في المتأخر لدلالة المتقدم عليه قليل مثل قراءة ابن محيصن ?لا خوف عليهم? أي لا خوف شيء وقول الشاعر
~أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر
أراد سبحان الله فحذف المضاف إليه، وترك المضاف بحاله.
يقول الشاعر العجب منه إذ يفخر.
قوله (( ما من شيء لم كن أريته إلا رأيته ) )وفي (م) في حديث عائشة (( رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته ) )، وفي حديث جابر (( عرض علي كل شيء تولجونه ) )وفي لفظ (( توعدونه ) ). وهذا مبين لرواية أسماء.
ومعنى (( تفتنون ) )أي تمتحنون.
وفيه دلالة على إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة، وفيه المساءلة في القبر. قال أبو المعالي تواترت الأخبار ولم يزل ذلك مستفيضًا قبل ظهور أهل البدع، والسؤال يقع على أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب وغيره يحييها الله تعالى ويوجه السؤال عليها.
و (( المسيح ) )بفتح الميم كما في المسيح عيسى عليه السلام فهو مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلالة. وفرق بعضهم بينهما فقال في الدجال المسيح بكسر الميم مع التشديد والتخفيف بخلاف النبي عليه السلام.
وقيل إن الدخال بالخاء المعجمة الممسوح العين، يقال مسحه الله بالمهملة إذا خلقه خلقًا حسنًا بخلاف مسخه بالمعجمة فإنه عكسه، وقيل سمي بالمهملة لمسح إحدى عينيه فيكون بمعنى ممسوح. وقيل لمسحه الأرض فيكون بمعنى فاعل.
وأما عيسى عليه السلام فسمي بذلك لمسحه. وقيل لأنه كان ص 339 ممسوح الرجل لا أخمص له. وقيل إن زكريا عليه السلام مسحه؛ فعلى الأول مسيح بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى مفعول.
وأما الدجال فهو الكذاب سمي به؛ لتمويهه على الناس وتلبيسه عليهم. والدجل طلي البعير بالقطران. فهو يموه بباطله، وسحره الملتبس به. وقيل لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير مثل دجلة تغطي الأرض بمائها.
والدجل التغطية. يقال دجل فلان الحق بباطله، أي غطاه.
وقيل سمي به لضربه نواحي الأرض، وقطعه لها. يقال دجل الرجل بالتخفيف والتشديد مع فتح الجيم، ودجل بالضم أيضًا مخففًا.
قوله (( ما علمك بهذا الرجل؟ ) )إنما قال الملكان ذلك ولم يقولا رسول الله، امتحانًا وإغرابًا عليه؛ لئلا يتلقن منهما إكرام النبي صلى الله عليه وسلم ورفع مرتبته فيعظمه هو تقليدًا لا اعتقادًا، ولهذا يقول المؤمن هو رسول الله، والمنافق لا أدري، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت.
قوله (( قد علمنا إن كنت لموقنًا به ) )هو بكسر إن مخففة من الثقيلة. وقيل المعنى إنك مؤمن كما قال تعالى {كنتم خير أمة} [آل عمران11] . قال القاضي والأظهر أنها على بابها. والمعنى إنك كنت موقنًا. وقد يكون لموقنًا. أي في علم الله كما قيل في قوله تعالى {وما كانوا مهتدين} [البقرة16] .
قوله (( نم صالحًا ) )أي لا روع عليك مما روع به الكفار من العرض على النار، أو غيره من عذاب القبر.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( سئل ) )بضم السين (( في حجته ) )بكسر الحاء على المشهور (( فقال ) )أي السائل (( ذبحت قبل أن أرمي ) )أي فما حكمك فيه هل يصح وهل علي حرج؟ (( فأومأ ) )إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بيده قال لا حرج ) )أي لا حرج عليك ولفظ قال بيان لقوله أومأ، ولهذا ما ذكر الواو العاطفة أو حال.
(( وقال ) )أي سائل آخر أو ذلك السائل نفسه (( فأومأ ) )إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن لا حرج ) )وكلمة أن إما صلة لقوله أومأ، وإما تفسيرية إذ في الإيماء معنى القول، وفي بعضها ولا حرج مع الواو بدون أن.
فإن قلت ما معناه. قلت يعني أنه أشار باليد بحيث فهم من تلك الإشارة أنه لا حرج سيما وقد سئل عن الحرج، أو لفظ قال ههنا مقدر أي أومأ قال أو قائلًا ولا حرج.
فإن قلت لم ترك الواو أولًا في لا حرج وذكرها ثانيًا فيه. قلت لأن الأول كان في ابتداء الحكم والثاني عطف على المذكور أولًا.
قوله (( يقبض العلم ) )هو بصيغة المجهول. و (( الهرج ) )بسكون الراء، وهو الفتنة والاختلاط وأصله الكثرة في الشيء فإرادة القتل من لفظ الهرج إنما هو على طريق التجوز إذ هو لازم معنى الهرج اللهم إلا أن يثبت ورود الهرج بمعنى القتل لغةً ومعنى.
(( فقال هكذا بيده ) )محرفًا. و (( فحرفها ) )تفسير له ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية نحو {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} إذ القتل هو نقص التوبة على أحد التفاسير.
قوله (( سبحان الله ) )سبحان علم للتسبيح؛ أي التنزيه. فإن قلت فكيف أضاف. قلت نكر فأضيف، وقال ابن الحاجب كونه علمًا إنما هو في غير حالة الإضافة وهو مفعول مطلق التزم إضمار فعله.
قوله (( آية ) )بهمزة الاستفهام وحذفها خبر مبتدأ محذوف؛ أي أهي آية أي علامة لعذاب الناس كأنها مقدمة له قال تعالى {وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا} أو علامة لقرب زمان القيامة وأمارة من أماراتها، أو علامة لكون الشمس مخلوقة داخلة تحت النقص مسخرة لقدرة الله تعالى ليس فيها سلطنة على غيرها بل لا قدرة لها على الدفع عن نفسها.
فإن قلت ما تقول فيما قال أهل الهيئة أن الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض فلا ترى حينئذ إلا نور القمر وهو كمد لا نور له، وذلك لا يكون إلا في آخر الشهور ص 340 عند كون النيرين في إحدى عقدتي الرأس والذئب، وله آثار في الأرض هل جاز القول به أم لا؟
قلت المقدمات كلها ممنوعة ولئن سلمنا فإن كان غرضهم أن الله تعالى أجرى سنتهم بذلك كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مساس النار له فلا بأس به وإن كان غرضهم أنه واجب عقلًا، وله تأثير بحسب ذاته فهو باطل لما أن جميع الحوادث مستندة إلى إرادة الله تعالى ابتداء ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى.
قوله (( فقمت ) )أي للصلاة حتى علاني، وفي بعضها (( تجلانيالغشي ) )وهو بفتح الغين وإسكان الشين، وروي أيضًا بكسر الشين وتشديد الياء، وهو مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر وغير ذلك، وعرفه أهل الطب بأنه تعطل القوى المحركة والحساسة لضعف القلب واجتماع الروح كله إليه.
فإن قلت فإذا تعطلت القوى فكيف صبت الماء. قلت أرادت بالغشي الحالة القريبة منه فأطلقت الغشي عليها مجازًا أو كان الصب بعد الإفاقة منه.
قوله (( ما من شيء لم أكن أريته ) )بضم الهمزة، قال العلماء يحتمل أنه رأى رؤية عين بأن كشف الله تعالى عن الجنة والنار مثلًا له، وأزال الحجب بينه وبينهما كما فرج له عن المسجد الأقصى ليلة المعراج حين وصفه بمكة للناس، وقد تقرر في علم الكلام أن الرؤية أمر يخلقه الله تعالى في الرائي وليست مشروطة بمقابلة ولا مواجهة ولا خروج شعاع وغيره بل هذه شروط عادية جاز الانفكاك عنها عقلًا، ويحتمل أن تكون رؤية علم ووحي باطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلًا ما لم يعرفه قبل ذلك.
فإن قلت هذا أي نوع من الاستثناء وكيف وقع للفعل مستثنى. قلت هذا استثناء مفرغ، وقال النحاة كل مفرغ متصل ومعناه كل شيء لم أكن أريته من قبل مقامي ههنا رأيته في مقامي هذا أو رأيته في موضع الحال، وتقديره ما من شيء لم أكن أريته كائنًا في حال من الأحوال إلا في حال رؤيتي إياه، وجاز وقوع الفعل مستثنى بهذا التأويل.
فإن قلت لفظ الشيء أعم العام، وقد وقع نكرة في سياق النفي أيضًا ولكن بعض الأشياء مما لا يصح رؤيته. قلت فإن الأصوليين قالوا ما من عام إلا وقد خص إلا والله بكل شيء عليم، والمخصص قد يكون عقليًا وعرفيًا فخصصه العقل بما صح رؤيته، والعرف بما يليق إبصارهما به مما يتعلق بأمر الدين والجزاء ونحوهما.
فإن قلت هل فيه دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم رأى في هذا المقام ذات الله تعالى قلت نعم إذ الشيء يتناوله والعقل لا يمنعه والعرف لا يقتضي إخراجه، ولفظ المقام يحتمل المصدر والزمان والمكان.
قوله (( حتى الجنة ) )بالنصب فحتى عاطفة عطف الجنة على الضمير المنصوب في رأيته، وفي بعضها بالجر فهي جارة.
فإن قلت فعلى هذا التقدير قد تكون الجنة مبصرة. قلت الغاية في حتى لا يجب أن يكون حكم ما بعدها خلاف بل يجب أن لا يكون سيما إذا كانت بمعنى مع، ويحتمل الرفع بأن تكون حتى ابتدائية؛ أي حتى الجنة مرئية فهو نحو أكلت السمكة حتى رأسها في جواز الوجوه الثلاثة فيه.
قوله (( مثل أو قريب ) )هما بغير التنوين مضافان إلى فتنة المسيح. فإن قلت فكيف جاز الفصل بينهما وبين ما أضيفا إليه بأجنبي وهو قوله لا أدري أي ذلك قالت أسماء. قلت ص 341 هي جملة معترضة مؤكدة لمعنى الشك المستفاد من كلمة أو والمؤكدة للشيء لا تكون أجنبية منه، فجاز كما في قوله في تيم تيم عدي.
فإن قلت فهل صح أن يكون لشيء واحد مضافان. قلت ليس ههنا مضافان بل مضاف واحد وهو أحدهما لا على التعيين، ولئن سلمنا فتقديره مثل فتنة المسيح أو قريب فتنة المسيح فحذف أحد اللفظين منهما لدلالة الآخر عليه نحو قوله
بين ذراعي وجبهة الأسد
فإن قلت فما توجيهه على ما في بعض النسخ من وجود لفظ من قبل لفظ فتنة، ومن لا تتوسط بين المضاف والمضاف إليه في اللفظ. قلت لا نسلم امتناع إظهار حرف الجر بينهما إذ بعضهم جوزوا التصريح بما هو مقدر من اللام ومن غيرهما في الإضافات وهو مثل قولهم لا أبالك، ولئن سلمنا فهو ليسا بمضافين إلى الفتنة المذكورة على هذا التقدير بل مضافان إلى الفتنة المقدرة والمذكور، وهو من فتنة هو بيان لذلك المقدر.
فإن قلت في بعضها قريبًا بالنصب وبالتنوين فما وجهه. قلت يكون من حينئذ صلة له ويقدر لفظ فتنة قبل لفظ قريبًا فيكون المثل مضافًا إليه. فإن قلت لفظة أي مرفوعة أو منصوبة. قلت الرواية المشهورة الرفع وهو مبتدأ وخبره قالت أسماء وضمير المفعول محذوف وفعل الدراية معلق بالاستفهام؛ لأنه من أفعال القلوب إن كانت أي استفهامية ويجوز أن يكون أيضًا مبتدأ مبنيًا على الضم على تقدير حذف صدر صلته، والتقدير لا أدري أي ذلك هو قالته أسماء.
وأما توجيه النصب فبأن يكون مفعول لا أدري إن كانت موصولة أو مفعول قالت استفهامية أو موصولة أو يقال إنه من شريطة التفسير بأن يشتغل قالت بضميره المحذوف ويحتمل أن تكون الدراية بمعنى المعرفة.
قوله (( يقال ) )هو بيان لقوله يفتتون أي يمتحنون ولهذا لم يدخل الواو عليه. و (( ما علمك ) )الخطاب فيه للمفتون. فإن قلت لم جمع أولًا حيث قال في قبوركم وأفرد ثانيًا حيث قال وما علمك. قلت هو من مقابلة الجمع بالجمع فيفيد التوزيع، وكأنه قال لكل أحد أنك تفتن في قبرك، أو لأن السؤال عن العلم يكون لكل واحد بانفراده واستقلاله، وكذا لكل واحد جواب خاص بخلاف الفتنة.
فإن قلت هل يقال للانتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب كما نحن فيه التفات. قلت عرف بعض علماء المعاني الالتفات بحيث يتناول الانتقال من صنف من نوع الضمير إلى صنف آخر من ذلك النوع كما قال المرزوقي في شرح الحماسة
أحيا أباكن يا ليلى الأماديح
إنه التفات، ولقوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} لكن الجمهور على خلافه، وقوله (( بهذا الرجل ) )أي بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يقل بي لأنه حكاية من قول الملائكة للمفتون، والقائل هو الملكان السائلان المسميان بالمنكر والنكير، ولم يقولا رسول الله لئلا يتلقن منهما إكرام الرسول ورفع مرتبته فيعظمه هو تقليدًا لهما لا اعتقادًا.
قوله (( أو الموقن ) )شك من فاطمة، ومعناه المصدق بنبوة محمد أو الموقن بنبوته. قوله (( بالبينات ) )أي بالمعجزات الدالة على نبوته (( والهدى ) )أي الدلالة الموصلة إلى البغية (( فأجبنا ) )أي قبلنا نبوته معتقدًا حقيقتها معترفًا بها (( واتبعنا ) )فيما جاء به إلينا، أو نقول الإجابة تتعلق بالعلم والاتباع بالعمل.
قوله (( ثلاثًا ) )أي يقول هو محمد نبيًا مرتين بلفظ محمد ومرة ص 342 بصفته وهو رسول الله. فإن قلت فإذا قال هذا المذكور أي مجموعه ثلاثًا يلزم أن يكون هو محمد مقولًا تسع مرات لكنه ليس كذلك. قلت لفظ ثلاثًا ذكر لتوكيد المذكور فلا يكون القول إلا ثلاث مرات.
قوله (( صالحًا ) )أي منتفعًا بأعمالك وأحوالك إذ الصلاح كون الشيء في حد الانتفاع. قوله (( إن كنت ) )إن هي المخففة من المثقلة؛ أي أن الشأن.
قوله (( أما المنافق ) )أي غير المصدق بقلبه لثبوته وهو في مقابلة المؤمن (( أو المرتاب ) )أي الشاك وهو في مقابلة الموقن.
قوله (( فقلته ) )أي قلت ما كان الناس يقولونه، وفي بعض النسخ بعده وذكر الحديث إلى آخره.
وفي الحديث مسائل من فنون متعددة منها كون الجنة والنار مخلوقتين اليوم وإثبات عذاب القبر وسؤال منكر ونكير وخروج الدجال، وأن الرؤية ليست مشروطة بشيء عقلًا من المواجهة ونحوها، ووقوع رؤية الله تعالى له صلى الله عليه وسلم وأن من ارتاب في صدق الرسول وصحة رسالته فهو كافر.
ومنها جواز التخصيص بالمخصصات العقلية والعرفية، ومنها جواز وقوع الفعل مستقى صورة وتعدد المضافين لفظًا إلى المضاف الواحد وإظهار حرف الجر بين المضاف والمضاف إليه.
ومنها سنية صلاة الكسوف وتطويل القيام فيها واستحباب فعلها في المسجد وبالجماعة، وهو حجة على العراقيين حيث قالوا بعدم الجماعة فيها، وأنه يشرع هذه للنساء.
ومنها جواز حضورهن وراء الرجال في الجماعات وجواز السؤال عن المصلى وامتناع الكلام في الصلاة، وجواز الإشارة فيها ولا كراهة فيها إذا كانت لحاجة وجواز التسبيح للنساء في الصلاة.
فإن قلت التصفيح لهن لا التسبيح إذا نابهن شيء، قلت المقصود من تخصيص التصفيح بهن أن لا يسمع الرجال صوتهن، وفيما نحن فيه القصة جرت بين الأختين أو التصفيح هو الأولى لا الواجب.
وفيه استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف، وفيه أن الخطبة يكون أولها التحميد والثناء على الله تعالى.
قال ابن بطال فيه أن الرجل إذا أشار بيده أو برأسه أو بشيء يفهم به إشارته جاز، وفيه حجة لمالك في إجازة لعان المرأة الصماء البكماء ومبايعتها ونكاحها ونحو ذلك.
النووي وفيه أن الغشي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقيًا، وهذا محمول على أنه لم تكن أفعالها متوالية وإلا بطلت الصلاة.
وأقول فإن قلت من أين علم أن الغشي كان في الصلاة، قلت حيث جعل ذلك مقدمًا على الخطبة، والخطبة متعقبة للصلاة لا واسطة بينهما بدليل الفاء في فحمد الله.
فإن قلت هذا الحديث لا يدل إلا على نقص الترجمة وهو الإشارة بالرأس كما أن الأولين لا يدلان أيضًا إلا على البعض الآخر، وهو الإشارة باليد، قلت لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على تمام الترجمة بل إذا دل البعض على البعض بحيث دل المجموع على المجموع صح الترجمة.
الزركشي
قوله (( حتى الجنة والنار ) )يجوز فيهما الفتح والجر والرفع.
قوله (( علمنا إن كنت ) )هي بكسر (( إن ) )المخففة من المثقلة، ولزمت اللام للفرق بينها وبين النافية، وحكى السفاقسي فتح (( أن ) )على جعلها مصدرية، أي علمنا كونك موقنًا، ورد بدخول اللام.
ثم قيل المعنى إنك موقن كقوله تعالى {كنتم خير أمة} [آل عمران11] أي أنتم، قال القاضي والأظهر أنها على بابها، والمعنى أنك كنت موقنًا.
[1] في هامش المخطوط قيل له يوجد أربعة في سلسلة من الصحابة في غير بنت الصديق عبد الله بن أسماء بن أبي بكر بن أبي قحافة وقيل.