فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 3844

المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر فإن الإنسان لا يكفر ويخرج عن الملة إلا بما يعتقده أو يعقله عالمًا بأنه يوجب الكفر، وأما حديث الشرك فيكم أخفى من دنيت الشمل المراد به الزنا لا الكفر كما نبه عليه ابن بطال، وذكر ص 228 الآثار المذكورة في المتن.

عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) )عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بخبر بليلة القدر الحديث.

الآثار التي ذكرها (خ) معلقة.

فأثر إبراهيم أخرجه أبو القاسم اللالكائي في (( سننه ) )بسند جيد، وأثر ابن أبي مليكة أخرجه كذا. وأثر الحسن فأخرجه الفريابي عن قتيبة.

الحديث الأول أخرجه (خ) هنا كما ترى، وأخرجه (م) هنا أيضًا عن محمد بن بكار.

والحديث الثاني أخرجه (خ) هنا عن قتيبة وفي الصوم عن أبي موسى، وفي الأدب عن ابن مسعود. وقد تقدم ترجمة رواته سوى أبي وائل الراوي عن عبد الله هو سفيان سبن سلمة الأسدي، أسد خزيمة، كوفي تابعي، أدرك زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره، قال أدركت سبع سنين من سني الجاهلية.

وقال كنت قبل. مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشر سنين أرعى إبلًا لأهلي. سمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليًا وابن مسعود وعمارًا وغيرهم من الصحابة والتابعين، وعنه خلق من التابعين.

وأجمعوا على جلالته وتوثيقه، وهو من أجل أصحاب ابن مسعود، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ، وقال الواقدي وأبو نعيم مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.

وزبيد الراوي عنه هو بزاي مضمومة ثم موحدة ثم مثناة تحت ابن الحارث أبو عبد الرحمن، ويقال أبو عبد الله اليامي بمثناة تحت، جد القبيلة، بطن من همدان ويقال الأيامي الكوفي، روى عن أبي وائل وجمع من التابعين، وعنه الأعمش وغيره من التابعين، وجلالته متفق عليها، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة.

وليس في الصحيحين زبيد بضم الزاي ثم موحدة إلا هذا. وأما زبيد بن الصلت فليس له ذكر فيهما، ذاك في (( الموطأ ) ).

ومحمد بن عرعرة الراوي عن شعبة بفتح المهملتين، وبالراء المكررة الأولى ساكنة، وهو أبو إبراهيم، ويقال أبو عبد الله محمد بن عرعرة بن البرند بموحدة ثم مكسورتين، ويقال بفتحهما، والأول أصح القرشي السامي بالمهملة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة.

قال شيخنا قطب الدين في (( شرحه ) )انفرد به (خ) عن (م) .

قلت لا، فقد روى له معه، وكذا أبو داود. كما نبه عليه المزي في (( تهذيبه ) ).

وحميد الراوي عن أنس هو أبو عبيدة حميد بن أبي حميد تير، ويقال تيرويه، بكسر المثناة فوق. ويقال غير ذلك الخزاعي البصري مولى طلحة الطلحات، سمع أنسًا وغيره من التابعين، وعنه يحيى الأنصاري وغيره.

وحميد هذا هو الطويل، قيل كان قصيرًا طويل اليدين، فقيل له ذلك. وقال الأصمعي لم يكن بذلك الطويل لكن كان في جيرانه رجل يقال له حميد القصير. فقيل حميد الطويل تمييزًا له.

مات سنة ثلاث وأربعين ومائة عن خمس وسبعين سنة.

فصل وقع في الباب ذكر إبراهيم التيمي وعبد الله بن أبي مليكة والحسن. أما إبراهيم فهو ابن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب الكوفي أبو أسماء. روى عن أنس وغيره، وعنه الثوري وغيره، قتله الحجاج، وقيل مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي، ووقع الرسول به فأخذه وحبسه، فقيل له ليس إياك أراد، فقال أكره أن أدفع عن نفسي، وأكون سببًا لحبس رجل مسلم فصبر في السجن حتى مات.

وثقه يحيى بن معين، ومن غريب ما روى الأعمش عنه أنه قال إني لأمكث ثلاثين يومًا لا آكل. مات سنة اثنتين وتسعين ولم يبلغ أربعين سنة. ص 229

وتيم الرباب بكسر الراء، قال الحازمي هو تيم بن عبد مناة، قال معمر بن المثنى هو ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة وضبة بن ود، قيل سموا به، لأنهم غمسوا أيديهم في رب وتحالفوا عليه.

وقال غيره سموا به؛ لأنهم ترببوا، أي تحالفوا على بني سعد بن زيد مناة.

وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة كان قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا. مع جلالته متفق عليها. سمع العبادلة، ومات سنة سبع عشرة ومائة. والحسن تقدم ذكره.

والرجلان المتلاحيان ذكر ابن دحية في كتابه العلم المشهور قال مما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد معنى قول إبراهيم أنه خشي أن يكون قصر في العمل، وكذا ينبغي أن تغلب الخشية المؤمن.

وقد ذم الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصر في عمله. فقال تعالى {لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف2] . وهذا على المختار في ضبط (( مكذبًا ) )بكسر الذال، وقد ضبط بفتحها. ومعناه خشيت يكذبني من رأى عملي مخالف قولي ويقول لو كنت صادقًا ما فعلت هذا الفعل.

ومعنى قول ابن أبي مليكة عن الصحابة أنهم خافوا أن يكونوا في من داهن ونافق. قال ابن بطال وإنما خافوا؛ لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغيير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا أو نافقوا.

قوله (( ما منهم من يقول إنه على إيمان جبريل ) )هو على ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص، وإن إيمان جبريل وميكائيل أكمل من إيمان آحاد الناس خلافًا للمرجئة.

وقول الحسن (( ما خافه إلا مؤمن ) ). يعني الله تعالى، قال تعالى {وإياي فارهبون} [البقرة4] والسب في اللغة الشتم والتكلم في العرض بما يعيبه. والفسق الخروج لغة، وشرعًا الخروج عن الطاعة.

قوله (( وقتاله كفر ) )لابد من تأويله فإن قتاله بغير حق لا يخرجه عن الملة عند أهل الحق ولا يكفر به، وفيه أقوال

أصحها أن المراد به كفر الحقوق، فإن للمسلم حقوقًا على أخيه كما تظاهرت به الأحاديث الصحيحة منها (( كل المسلم على المسلم حرام ) )الحديث. فإذا قاتله فقد كفر تلك الحقوق.

2 أن المراد من استحله بغير موجب ولا تأويل. أشار إليه الخطابي وهو محتمل على بعد.

3 أنه شابه فعل الكفار.

4 أن المراد بالمقاتلة المشادة والتناول باليد والتطاول عليه.

قال ابن بطال العرب تسمي المشادة المقاتلة. كما قال عليه السلام في المار بين يدي المصلي (( فليقاتله ) )أي فليدفعه بالقوة ولم يرد قتله.

وإيراد (خ) حديث التلاحي في الباب رمز إلى هذا المعنى، وقد ترجم (خ) عليه في كتاب الفتن (( لا ترجعوا بعدي كفارًا ) ).

وقد سلف باب كفر دون كفر، ثم هذا كله فيمن لا تأويل له أما المتأول فلا يكفر ولا يفسق بذلك كالبغاة والخارجين على الإمام بتأويل وغيرهم، وقال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق. فلم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم لما كان فعل حاطب يشبه فعل المنافقين، وكما قال معاذ للتصرف من الصلاة نافقت وأشباهه.

والمرجئة بضم الميم، وجيم ثم همزة مشتقة من الإرجاء، وهو التأخير، فالمرجئ من أخر العمل عن الإيمان، وقيل من الرجاء لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقيل من الإرجاء، بمعنى تأخير حكم الكبيرة، فلا يقضى لها بحكم في الدنيا، وهم أضداد الخوارج والمعتزلة.

فالخوارج تكفر بالذنب، والمعتزلة يفسقون به وكلهم يوجب الخلود في النار. والمرجئة تقول ص 230 لا يضر الذنب مع الإيمان، وغلاتهم تقول يكفي التصديق بالقلب وحده ولا يضر عدم غيره.

ومنهم من يقول لابد من ذلك مع الإقرار باللسان، ومنهم من وافق القدرية كالخالدي، ومنهم من لم يوافقهم وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضًا، وهؤلاء هم مراد (خ) في الرد عليهم.

أقول قال الشهرستاني في (( الملل والنحل ) )المرجئة الأرجاء على معنيين

أحدهما التأخير قالوا أرجئه وآخاه أي أمهله وأخره، والثاني إعطاء الرجاء أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والقيد، وأما بالمعنى الثاني فظاهر فإنهم كانوا يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقيل الإرجاء تأخير حكم صاحب الكنز إلى الآخرة فلا يفضي عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار، فعلى هذا المرجئة والوعيد به فرقتان متقابلتان، وقيل الإرجاء تأخير علي رضي الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة، فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان، والمرجئة أصناف أربعة مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية ومرجئة الخبرية والمرجئة الخالصة انتهى.

قوله (( فتلاحى رجلان ) )أي تخاصما وتنازعا. والملاحاة المخاصمة والمنازعة والسباب، والاسم اللحاء مكسور ممدود. وجاء في رواية لمسلم (( يحتقان معهما الشيطان فنسيتها ) )أي يطلب كل منهما حقه ويدعي أنه محق في دعواه.

ومعنى (( رفعت ) )رفع بيانها، وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة بدليل قوله (( التمسوها ) ).

قوله (( في السبع والتسع ) )كذا هو في النسخ بتقديم السبع على التسع، وفي بعضها بالعكس.

ومقصود (خ) بهذا الباب الرد على المرجئة قولهم الباطل إن الله تعالى لا يعذب على شيء من المعاصي من قال لا إله إلا الله، ولا يحبط شيء من أعمالهم بشيء من الذنوب، وإن إيمان العاصي والمطيع سواء.

فذكر في صدر الباب أقوال التابعين وما فعلوه عن الصحابة، وهو كالمشي إلى أنه لا خلاف بينهم في هذا، وأنهم مع فضلهم خافوا أن لا ينجوا من العذاب.

وأدخل (خ) حديث عبادة في هذا الباب؛ لأن رفع ليلة القدر كان بسبب تلاحيهما ورفعهما الصوت بحضرة الشارع، ففيه ذم الملاحاة ونقص صاحبها.

وحرمة سب المسلم، وهو حرام بغير حق بالإجماع وفاعله فاسق.

وفيه ذم المخاصمة والمنازعة وأنها سبب العقوبة للعامة بذنب الخاصة، فإن الأمة حرمت إعلام هذه الليلة بسبب التلاحي بحضرته الشريفة. لكن في قوله (( وعسى أن يكون خيرًا ) )بعض التأنيس لهم.

واختلف الأحاديث في سبب النسيان، ففي حديث عبادة أن سببه التلاحي، وفي (م) في حديث أبي هريرة (( فجاء رجلان يحتقان ) ). كما سلف، فيحتمل أن السبب المجموع. وسيأتي في كتاب الاعتكاف تتمته. ص 231

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( يحبط ) )أي يبطل.

فإن قلت القول بإحباط المعاصي الطاعات من قواعد أهل الاعتزال فما وجه قول (خ) بذلك. قلت هذا الإحباط ليس بذاك إذ المراد به الإحباط بالكفر أو بعدم الإخلاص ونحوه.

قوله (( وهو لا يشعر ) )وذلك نحو قوله تعالى {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} .

النووي المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر؛ فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعله عالمًا بأنه يوجب الكفر. وأقول هو مما ينازع فيه إذ الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر وبالفعل الموجب للكفر وإن لم يعلم أنه كفر.

قوله (( مكذبًا ) )أي للدين حيث لا أكون ممن عمل بمقتضاه أو أني لنفسي إذ أقول أني من المؤمنين ولا أكون ممن عمل بعملهم.

قوله (( يخاف النفاق ) )أي حصول النفاق في الخاتمة على نفسه إذ الخوف إنما يكون عن أمر في الاستقبال. و (( ما منهم أحد ) )يجزم بعدم عروض النفاق كما هو جازم في إيمان جبريل فإنه لا يعرضه النفاق، ويحتمل أن يكون وما منهم إشارة إلى مسألة زائدة مستفادة من أحوالهم أيضًا وهي أنهم كانوا قائلين بزيادة الإيمان ونقصه.

قوله (( وذكر عن الحسن ) )أي البصري.

فإن قلت فلم قال فيما علق عن إبراهيم وعن ابن أبي مليكة بلفظ قال وفيما علق عن الحسن بلفظ يذكر. قلت ليشير بأن قولها ثابت عنده صحيح الإسناد لأن قال هو صيغة الجزم وصريح الحكم بأنه صدر منه ومثله يسمى تعليقًا بصيغة التصحيح بخلاف يذكر فإنه لا جزم فيه فيعلم أن فيه ضعفًا ومثله تعليق بصيغة التمريض.

قوله (( ما خافه ) )أي ما خاف الله تعالى فحذف الجار وأوصل الفعل إليه وكذا في أمنه إذ معناه أمن منه، وأمنه هو بفتح الهمزة وكسر الميم.

قوله (( وما يحذر ) )بلفظ المجهول عطف على خوف؛ أي باب ما يحذر وما مصدرية وهو مجرور المحل، ويحتمل عطفه على يقول أي ما منهم أحد ما يحذر فما نافية ويحذر بلفظ المعروف وهو مرفوع المحل ولفظ وما يحذر إلى آخره رد على المرجئة حيث قالوا لا حذر من المعاصي عند حصول الإيمان فعقد الباب لأمرين لبيان الخوف من الإصرار على المعاصي بالآية، والأخير رد على المرجئة.

قوله (( ما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل ) )بناءً على ما تقدم أن الإيمان يزيد وينقص وأن إيمان جبريل أكمل من إيمان آحاد الناس خلافًا للمرجئة أي حيث قالوا إيمان أفسق الفساق وإيمان جبريل سواء.

فإن قلت ورد الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل، وهو يدل على أنه قد يخرج من الإيمان إلى الكفر وهو لا يشعر. قلت الرياء قسمان ما في عقد الإيمان وهو الشرك الأكبر وهو كفر وما في الأعمال وعقد الإيمان سالم وهو الأصغر وهذا هو المراد ههنا بقرينة فيكم.

قوله (( قتاله ) )أي المقاتلة المعروفة، ويحتمل أن تكون المقاتلة بمعنى المشادة؛ أي المخاصمة والعرب تسمي المخاصمة مقاتلة.

ابن بطال ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة بل كفران حقوق المسلمين؛ لأن الله جعلهم إخوة وأمر بالإصلاح بينهم ونهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن التقاطع والمقاتلة، فأخبر أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم.

الخطابي المراد الكفر بالله وأن ذلك في حق من فعل مستحلًا بلا موجوب ولا تأويل، وأما المؤول فلا يفسق ولا يكفر كالبغاة الخارجين على الإمام بالتأويل.

فإن قلت كيف دل الحديث على الترجمة؟ قلت دل على إبطال قول المرجئة لأنهم ص 232 لا يفسقون مرتكبي الكبائر فلا يجعلون السباب فسوقًا ولا القتال كالكفر.

فإن قلت السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر فلم قال في الأول فسوق وفي الثاني كفر. قلت لأن الثاني أغلظ ولأنه بأخلاق الكفار أشبه.

فإن قلت فلم أولت الكفر وجعلت الفسوق باقيًا على حقيقته. قلت لأن الإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ولا يفعل معصية أخرى.

قوله (( حميد ) )بضم الحاء أبو عبيدة بضم العين ابن تير بكسر المثناة الفوقانية وسكون التحتانية وهو بالفارسية الشهم، وقيل ابن تيرويه، وقيل طرخان، وقيل مهران وحميد الخزاعي بصري مولى طلحة الطلحات الخزاعي، وهو المشهور بحميد الطويل قيل كان قصيرًا طويل اليدين فقيل كان يقف عند الميت فتصل إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجليه.

قوله (( خرج ) )أي من الحجرة. و (( يخبر ) )إما استئناف أو حال.

فإن قلت الخروج لم يكن من حال الإخبار. قلت مثله يسمى بالحال المقدرة؛ أي خرج مقدرًا الأخبار نحو (( فادخلوها خالدين ) ).

قوله (( فتلاحى ) )مشتق من التلاحي وهو التنازع. قوله (( رجلان ) )هما عبد الله بن أبي حدرد بالمهملة المفتوحة والدال المهملة المكسورة وكعب بن مالك كان لعبد الله دين على كعب وطلبه فتنازعا فيه ورفعا صوتهما في المسجد.

قوله (( لأخبركم ) )فإن قلت الأخبار متعد إلى ثلاثة مفاعيل فأين الأخيران. قلت هما محذوفان أو لفظ ليلة القدر بمنزلة المفعولين إذ التقدير أخبركم بأن ليلة القدر هو الليلة الفلانية.

فإن قلت هل يجوز أن تكون ليلة القدر ثاني المفعولات والثالث محذوفًا. قلت لا إذ مفعوله الأول كمفعول أعطيت والثاني والثالث كمفعولي علمت.

قوله (( رفعت ) )أي رفع علمها أو بيانها.

فإن قلت كيف يؤمر بطلب ما رفع علمه. قلت المراد طلب التعبد في مظانها وربما يقع العمل مصادفًا لها لا أنه مأمور بطلب العلم بعينها، والأوجه أن يقال معناه رفعت من بيتي؛ أي نسيتها.

قوله (( أن يكون خبرًا ) )أي الرفع خيرًا ليزيدوا في الاجتهاد ويقوموا في الليالي لطلبها فيكون زيادة في ثوابكم، ولو كانت معينة لاقتنعتم بتلك الليلة فقل عملكم.

فإن قلت ما وجه دلالة الحديث على الترجمة. قلت من حيث أن فيه ذم التلاحي وأن صاحبه ناقص لأنه يشتغل عن كثير من الخير بسببه سيما إذا كان في المسجد وعند جهر الصوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بل ربما ينجر إلى بطلان العمل وهو لا يشعر قال تعالى {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم} .

فإن قلت الترجمة جزءان فدلالته على الجزء الأول أظهر كالحديث الأول على الجزء الثاني ففيه لف ونشر، وإن قلنا الترجمة أثر واحد فلا بحث فيه.

وأقول فإن قلت إذا جاز أن يكون الرفع خيرًا فلا مذمة فيه ولا شر ولا حبط العمل. قلت إن أريد بالخير اسم التفضيل فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيرًا وإن كان عدم الرفع أريد خيرًا أو أولى منه، ثم إن خيرية ذاك كان متحققة وخيرية هذا مرجوة؛ لأن مفاد عسى هو الرجاء لا غير انتهى.

أقول قال الإسماعيلي إنما ذكر (خ) في هذا الباب هذا الحديث للتنبيه على أن التلاخي غير السباب الذي هو فسوق وهذا المماراة والمجادلة بخلاف المسابة والمشاتمة.

وقال صاحب التراجم انتقل من الرد على القدرية إلى الرد على المرجئة وهما ضدان القدرية تكفر بالذنب، والمرجئة تهدر الذنب بالكلية، والذي ساقه في الترجمة صحيح في الرد عليهم. ص 233

أقول فإن قلت إذا كان التلاحي سبب الخير، فالظاهر أن يقال بدل وعسى أن يكون خبرًا وهو خير لكم. قلت ليس التلاحي سببًا للخير صريحًا وإنما هو سبب للرفع والرفع يتضمن أن تعبد الله وتسأل في سائر الليالي دون تخصيص العبادة بليلة واحدة وهذا متضمن للخبر فناسب عسى دون الحرم بلفظ وهو جبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت