فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 3844

ثم شرع (خ) في ذكر الأحاديث التي يجيء بها إلى طهارة الكلب وسؤره فقال بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا ) ).

وقوله (( إن رجلًا رأى كلبًا يأكل البرى ) )إلى آخره، وقال كانت الكلاب تقبل وتدبر إلى آخره، وقال إذا أرسلت كلبك المعلم إلى آخره، وأقول سلف عن الإسماعيلي أنه قال أرى أبا عبد الله يجيء نحو تطهير الكلب حيًا وإباحة سؤره بما ذكره من هذه الأحاديث وهي لعمري صحيحة إلا أن في الاستدلال بها على طهارة الكلب يطرأ بيعه على ما نحاه (خ) .

ابن بطال في شرحه فقال ذكر في الباب أربعة أحاديث في الكلب، وغرضه في ذلك إثبات طهارة الكلب وسؤره، وذكر وجه النظر أن غسل الإناء من شربه يجوز أن يكون لنجاسته، ويجوز أن يكون تعبدًا، ويترجح الأول برواية (م) (( طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) )، وروايته أيضًا (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرفعه ثم ليغسله سبع مرات ) ).

وأما غرف الماء فليس فيه أن الكلب شربه من الخف، أو قد يجمع بأن يكون غرفه به ثم صبه في مكان غيره، وعلى تقدير أن يكون شرب منه لا يلزمنا الأخذ به؛ إذ كان هذا في شريعة غيرنا وشرعنا قتل الكلاب على خلاف فيه إلا ما رخص في إمساكه، ولا يلزم من إقبالها وإدبارها فيه طهارتها.

نعم؛ سيأتي فيه أنها كانت تبول فيه، وابن وهب يرى بطهارة بولها، وكأن ص 483 الحديث إنما سيق لترددها فيه، ولم يغلق، وعساها كانت تبول ولم يعلم موضعه، ولو علم لأمر بصب الماء عليه، وقد أمر به في بول الأعرابي وبول ما سواه في حكم النجاسة واحد.

وأما حديث عدي فهو مسوق؛ لأن قتله ذكاة لا لنجاسة ولا طهارة، ألا تراه قال (( فكله ) ). ولم يقل اغسل الدم، ويجوز أن يكون تركه اكتفاء بغسل الإناء من ولوغه، وذكر الإسماعيلي احتمالًا ثالثًا، وهو أن يكون قتله الصيد لما جعل ذكاة له انتفت النجاسة عن المذكي بما جعل ذكاة له.

أما حديث أبي هريرة فله طرق

طريق مالك هذه أخرجه (د، ون، ق) وأخرجه (م) بلفظ (( إذا ولغ ) )بدل (( شرب ) )؛ وأخرجها (د، ن) وكذا (ت) وقال (( أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت الهرة غسل مرة ) )ثم قال حديث حسن صحيح. وقال (د) ذكر الهر موقوفة. وقال البيهقي مدرج.

وفيه من الفقه أن ظاهر الأمر بالغسل التنجيس، ويؤيده الرواية السالفة (( طهور ) )فإنها تستعمل عن الحدث تارة، وعن الخبث أخرى، ولا حدث على الإناء فتعين الخبث.

وأما الإمام مالك فحمله على التعبد لاعتقاد طهارة الماء والإناء، وربما حجة أصحابه بذكر هذا العدد، وهو السبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع، فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة، وقد اكتفى فيها بما دون السبع، وقد أمر بغسل الظاهر مرارًا لمعنى، كما في أعضاء الوضوء والحمل على الأول وهو التنجيس أقوى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا، وبين كونه معقول المعنى فالثاني أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.

وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع، ثم الذين عللوه قالوا العلة النجاسة، وقيل القذارة؛ لاستعماله النجاسات، وقيل علته لأنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلظ عليهم بذلك.

ومنهم من قال إن ذلك معلل بما تبقى من الكلب الكلب. والعدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطب والتداوي، وأورد على هذا أن الكلب الكلب لا يقرب الماء، على ذلك جماعة الأطباء، ومن قال بالتعبد يلزمه أن يقول بغسل جميع الإناء، ما لاقى الولوغ وما لم يلقه عملًا بحقيقة لفظ الإناء.

ثم إن هذا الأمر وهو الأمر بالغسل ظاهره الوجوب، وعن مالك قول يحمله على الندب، وقد استدل بغسل الإناء على نجاسة عين الكلب؛ لأنه إذا ثبتت نجاسة فمنه فبقية بدنه أولى؛ ولأنه إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه ففمه أولى، ثم هذا الإناء يغسل سواء كان فيه طعام أو ماء للعموم، ولمالك قول أنه لا يغسل إلا إناء الماء دون إناء الطعام، وهو نص (( المدونة ) )؛ لأنه مصون، ولا في الحديث الإراقة، وهي محرمة؛ لأنه إضاعة مال، والظاهري لا يرى بالغسل إذا وقع اللعاب في الإناء من غير ولوغ.

ثم هذا الحديث نص في اعتبار السبع في عدد الغسلات، ورواية التتريب قال بها الشافعي وأصحاب الحديث وليست في رواية مالك فلم يقل بها، وقيل أنه مضطرب حيث ورد (( أولاهن ) (( إحداهن ) )، وآخرتهن ص 484 وغير ذلك.

والحنفية لا يقولون بتعين السبع ويعتذرون عنه بأوجه

1 أن أبا هريرة راويه كان يغسل ثلاثًا.

2 أنه روي من طريق أبى هريرة مرفوعًا (( التخيير بين الثلاث والخمس والسبع ) )، ضعفه البيهقي.

3 أن هذا الأمر كان إذ أمر بقتل الكلاب، فلما نهى عن ذلك نسخ ذلك.

4 أن الأمر بالسبع محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وعند الحسن البصري يغسل سبعًا، ويعفر الثامنة بالتراب. ثم ظاهر الحديث عام في جميع الكلاب، وفي مذهب مالك أربعة أقوال طهارته، نجاسته، طهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، 4 لابن الماجشون يفرق بين البدوي والحضري.

وتعلق برواية (( ولغ ) )أهل الظاهر، وقالوا لو أدخل يده أو رجله في الماء لا يسمى ولوغًا ولا يجري فيه حكمه؛ لأنه لا يقال ولغ في شيء من جوارحه سوى لسانه، كما قال المطرز، لكن قال ابن جني في (( شرح المتنبي ) )أصل الولوغ شرب السباع بألسنتها الماء، ثم كثر فصار الشرب مطلقًا.

وحديث أبي هريرة الثاني أخرجه (خ) في مواضع في الشرب، والمظالم، والأدب. وأخرجه (م) أيضًا. وأخرجه (د) في الجهاد. وأخرجه (خ) أيضًا من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة أن امرأة بغيا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت موقها فغفر لها. وفي رواية (( بغي من بغايا بني إسرائيل ) )ذكره في ذكر بني إسرائيل.

ورواته غير من سلف منهم عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار من أفراد (خ) عن (م) ، وأخرج له (د، ت، ن) ، وفيه لين، ووالده عبد الله هو مولى ابن عمر التابعي وليس في الستة سواه، نعم، في (ق) عبد الله بن دينار الحمصي، وهو ليس بقومي.

قوله الثرى هو التراب الندي. قاله الجوهري، وقال صاحب (( المحكم ) )الثرى التراب. وهو التراب الذي إذا بل لم يصر طينًا لازبًا، والجمع أثراء، وفي (( مجمع الغرائب ) )أصل الثرى الندى، ولذلك قيل للعرق ثرى.

وفيه الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه، وهذا في الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، ولا يناقض هذا ما أمر بقتله أو أبيح قتله، فإن ذلك إنما شرع لمصلحة راجحة، ومع ذلك فقد أمرنا بإحسان القتلة.

وفيه أيضًا حرمة الإساءة إليه، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه، وقد دخلت تلك المرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت.

وفيه أيضًا وجوب نفقة البهائم على مالكها وهو إجماع.

والحديث 3 فذكره (خ) معلقًا عن شيخه أحمد بن شبيب، والإسماعيلي وصله قوله وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر إلى آخره.

وممن بقي من رواته غير مترجم حمزة بن عبد الله هو ابن عمر نزيل مكي مات بعد المائتين سنة 339. ووالده خرج له (ن) أيضًا، وهو صدوق تابعي ثقة إمام، وأحمد بن شبيب شيخ (خ) ولم يخرج له غيره وهو بصري.

قال ابن بطال فيه أن الكلب طاهر؛ لأن إقبالها وإدبارها في الأغلب أن تجر فيه أنوفها وتلحس فيه الماء وفتات الطعام؛ لأنه كان مبيت الغرباء والوفود وكانوا يأكلون فيه، وكان مسكن أهل الصفة، ولو كان نجسًا لمنع من دخول المسجد؛ لاتفاق المسلمين على أن الأنجاس تجنب المساجد.

قال وقوله (( تقبل وتدبر ) )يدل على تكررها ص 485 على ذلك، وتركهم لها يدل على أنه لا نجاسة فيها؛ لأنه ليس في حي نجاسة.

قوله (( فلم يكونوا يرشون عليها من ذلك ) )يريد كما قال ابن التين أن الرش طهور لما يشك فيه، وإن لم يرشوا دليل على أنه غير نجس.

وأما الداودي فإنه أورد هذا الحديث في (( شرحه ) )بلفظ (( يرتقبون ) )بدل (( يرشون ) )ثم فسره بأن معناه لا يخافون ولا يخشون. وهو غريب، والظاهر أنه تحريف.

والحديث 4 وهو حديث عدي هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في البيوع والعيد والذبائح. وأخرجه (م) والجماعة في الصيد.

وابن أبي السفر اسمه عبد الله بن أبي السفر بفتح السين والفاء سعيد بن محمد. ويقال أحمد الهمداني الكوفي. قال أحمد وابن معين ثقة، أخرجوا له خلا (ت) .

وسؤال عدي عنه يحتمل أن يكون لطلب معرفة الحكم قبل الإقدام عليه، ولا شك أنه لا يجوز الإقدام على الفعل إلا بعد معرفة الجواز، ويحمل أن يكون علم أصل الإباحة، فسأل عن أمور اقتضت عنده الشك في بعض الصور، أو قيام مانع من الإباحة التي علم أصلها، ولم يذكر في هذه الرواية ما سأل عنه، لكن سياق الجواب دال أنه سأل عن صيد الكلب.

وفيه جواز الاصطياد بالكلب المعلم، ولا نعلم فيه خلافًا، ولم يذكر حكم غير المعلم؛ لأنه لم يسأله عدي عنه وإن كان يوجد من تقييده صلى الله عليه وسلم بالمعلم نفي الحكم عن غيره.

ويدخل تحت قوله عليه السلام (( إذا أرسلت كلبك ) )مطلق الكلاب، واستثنى الإمام أحمد الكلب الأسود من الجواز، ونحوه عن الحسن البصري وإسحاق وقتادة والفارسي من أصحابنا، ولم يذكر فيه التسمية وهي في طريق آخر من حديث عدي، وإن كان في آخره مذكورة.

واختلف العلماء في شرطيتها ومذهبنا أنها سنة؛ خلافًا للظاهرية، وهو الصحيح عن أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وجماعة إن تركها سهوًا حلت الذبيحة، وإن تركها عمدًا فلا.

ومقتضى الحديث عدم الفرق بين كون المعلم ممن تحل ذكاته أم لا، وذكر ابن حزم في (( محلاه ) )عن قوم اشتراط كونه ممن تحل ذكاته فقال وقال قوم لا يؤكل صيد جارح علمه من لا يحل أكل ما ذكي.

وروي في ذلك آثار منها على أنه كره صيد بازي المجوسي وصقره وصيده. وعن جابر قالوا لا نأكل صيد المجوسي وإن سميت؛ فإنه من تعليم المجوسي، والحديث ظاهر في اشتراط الإرسال حتى لو استرسل بنفسه يمتنع من أكل مصيده [1] ، ولو أرسل كلبًا حيث لا صيد فاعترض فأخذه لم يحل على المشهور عندنا، وقيل يحل، والصيد حقيقة في المستوحش، فلو استأنس ففيه خلاف.

ويؤخذ من الحديث أن من غصب كلبًا، واصطاد به أن الصيد للمغصوب لا له؛ لأنه لم يرسل كلبه. وقد يستدل به من يقول أنه له عملًا بالإضافة.

فأجمع المسلمون على إباحة الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وغيره. واختلف فيمن اصطاده للهو فإن فعله ليذكيه، فكرهه مالك، وأجازه الليث، وإن فعله من غير نية التذكية فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثًا.

قوله (( وإذا أكل فلا تأكل ) )صريح في منع ما أكل منه الكلب، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني في (د) بإسناد حسن (( كل وإن أكل منه الكلب ) ).

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب الماء ) )أي باب حكم الماء. قوله (( أن يتخذ ) )بدل من الضمير المجرور في لفظ به كقولهم مررت به المسكين؛ أي لا يرى بأسًا باتخاذ الخيوط من الشعر، وفي بعضها لم يوجد لفظ به ص 486 وهو ظاهر، والفرق بين الخيط والحبل بالرقة والغلظ.

قوله (( وسؤر ) )بالهمز الباقي من الماء الذي شرب منه وهو مجرور عطفًا على الماء؛ أي وباب سؤر الكلاب، وفي بعضها وجد بعد لفظ المسجد وأكلها؛ أي أكل الكلاب بإضافة المصدر إلى الفاعل.

قوله (( إذا ولغ ) )أي الكلب والمقام يدل عليه، وفي بعضها (( ولغ الكلب ) )مصرحًا به. و (( له ) )أي لمن أراد أن يتوضأ و (( وضوء ) )بفتح الواو، وفي بعضها بعد لفظ وضوء لفظ غيره أي غير ما ولغ فيه، ويجوز فيه الرفع والنصب والجملة المنفية حال. و (( يتوضأ ) )جواب الشرط. و (( به ) )أي بالماء، وفي بعضها (( بها ) )فيؤول الإناء بالمطهرة أو الإداوة، فيكون المراد يتوضأ بالماء الذي.

قوله (( سفيان ) )أي الثوري ظاهرًا (( وهذا الفقه ) )أي الحكم بأنه يتوضأ به هو المستفاد من القرآن. {فإن لم تجدوا} كما في بعضها سهوًا والمتلو {فلم تجدوا} .

(( وفي النفس ) )من تتمة كلام سفيان و (( يتوضأ ) )أي للاحتياط (( ويتيمم ) )لأن الماء المشكوك الطهارة كالمعدوم، ولا يخفى أن الواو بمعنى ثم إذ التيمم بعد التوضؤ قطعًا.

فإن قلت إذا كان الحكم بعينه مذكورًا في القرآن فلم يبقى في النفس منه دغدغة. قلت قد بقي إما لعدم ظهور دلالته أو لوجود معارض له إما من القرآن أو غير ذلك.

قوله (( من شعر ) )يحتمل أن تكون من للتبعيض، وتقدير الكلام بعض شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيكون بعض مبتدأ وعندنا خبره، وأن يكون المبتدأ محذوفًا؛ أي عندنا شيء من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أو عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم شيء (( أصبناه ) )أي وجدناه.

قوله (( من قبل ) )بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي من جهة وكلمة أو للشك، وهو من ابن سيرين ظاهرًا. قوله (( أحب ) )بالرفع خبر للسكون، وهو يحتمل أن تكون تامة وناقصة.

فإن قلت ما وجه دلالته على الترجمة. قلت أنه دل على أن الشعر طاهر وإلا لما حفظه أنس، ولما كان عند عبيدة أحب من الدنيا وما فيها، وإذا كان طاهرًا فالماء الذي يغسل به الشعر لا محالة يكون طاهرًا إذ حكم الغسالة حكم المغسول قيل هذا رد من (خ) على من يقول إن شعر الإنسان إذا فارق الجسد نجس وإذا وقع في الماء نجسه.

قوله (( لما حلق رأسه ) )هذا تجوز إذ معناه لما أمر الحلاق بحلقه والقرينة عادية. فإن قلت ما وجه تعلقه بالترجمة. قلت إنه دل على طهارة الشعر حيث أخذه أبو طلحة وقرره الرسول عليه السلام فالماء الذي يغسل به الشعر كان كذلك وهو المطلوب.

فإن قلت احتمل أن يكون ذلك من خصائص شعره صلى الله عليه وسلم. قلت حكم جميع المكلفين حكمه في الأحكام التكليفية إلا إذا خص بدليل فالبيان على المخصص، وفى الجملة المسألة مختلف فيها.

قوله (( شرب الكلب في إناء ) )ضمن شرب معنى ولغ فعدى تعديته يقال ولغ الكلب شرابنا وفي شرابنا، وفي الحديث دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي حيث قال بنجاسة الكلب لأن الطهارة لا تكون إلا عن حدث أو نجس فتعين النجس. فإن قيل المراد الطهارة اللغوية فالجواب أن حمل اللفظ على حقيقته الشرعية مقدم على اللغوية.

قال أبو حنيفة ص 487 يكفي غسله ثلاث مرات ولا فرق عندنا بين ولوغه وغيره من بوله وروثه ودمه وعرقه ونحو ذلك. قال الرافعي في (( الكبير ) )وعند مالك لا يغسل من غير الولوغ لأن الكلب طاهر عنده والغسل من الولوغ تعبد، وقال أصحاب أبي حنيفة لا عدد في غسله ولا يعفر بالتراب بل هو كسائر النجاسات.

الخطابي إذا ثبت أن لسانه نجس علم أن سائر أجزائه في النجاسة بمثابة لسانه فأي جزء من بدنه ماسه وجب تطهيره، وفيه دليل على تحريم بيع الكلب إذ كان نجس الذات فصار كسائر النجاسات انتهى.

ولو ولغ كلاب أو كلب واحد مرات في إناء ففيه ثلاثة أوجه الصحيح يكفي الجميع سبع مرات، والثاني أنه يجب لكل واحد سبع، والثالث أنه يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع.

فإن قلت ظاهر لفظ الحديث يدل على أنه لو كان الماء الذي في الإناء قلتين ولم تتغير أوصافه بشربه كان الولوغ فيه أيضًا منجسًا لكن الفقهاء لم يقولوا به. قلت لا نسلم أن ظاهره دل عليه إذ الغالب في أوانيهم أنها ما كانت تسع القلتين فبلفظ الإناء خرج عنه القلتان وما فوقه.

فإن قلت لا يعلم من الحديث مزج الماء في إحدى الغسلات بالتراب فمن أين حكم به, قلت الأحاديث الأخر دالة عليه، وإن كان هذا الحديث مطلقًا يقيد بذلك لأن المطلق والمقيد إذا اتحد سببهما حمل المطلق على المقيد عملًا بالدليلين.

قال البخاري (( ثنا إسحاق ) )إلى آخره، قوله (( يأكل ) )إما صفة أو حال لا مفعول ثان؛ لأن الرؤية بمعنى الإبصار. والشكر هو الثناء على المحسن بما أولى له من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح، والمراد منه هنا مجرد الثناء أي فأثنى الله عليه أو الجزاء إذ الشكر نوع من الجزاء أي فجزاه الله.

فإن قلت إدخال الجنة هو نفس الجزاء فما معنى الفاء. قلت هو من باب عطف الخاص على العام أو الفاء تفسيرية نحو {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} على ما فسر من أن القتل كان نفس توبتهم.

وفيه أن إيصال الخير إلى غير الإنسان من سائر الحيوان مثاب عليه وان كان أخبثها وأنجسها. التيمي فيه دليل على أن في كل كبد رطبة أجرًا كان مأمورًا بقتله أو غير مأمور، وكذا الحكم في أساري الكفار.

النووي في شرح (م) الحيوان المحترم يحصل الثواب بالإحسان إليه، وأما غير المحترم وهو المأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور فيمتثل أمر الشارع في قتله. وقال فشكر الله له معناه قبل عمله.

فإن قلت كيف دل هذا الحديث على الترجمة. قلت قال التيمي قال بعض المالكية أراد (خ) بإيراد هذا الحديث طهارة سؤره لأن الرجل ملأ خفه وسقاه به، ولا شك أن سؤره بقى فيه واستباح لباسه في الصلاة وغيرها دون غسله إذ لم يذكر في الحديث غسله.

وأقول فيه دغدغة إذ لا يعلم منه أنه كان في زمن بعثته صلى الله عليه وسلم فلعله كان قبلها أو كان بعدها قبل ثبوت حكم سؤر الكلاب أو أنه لم يلبس بعد ذلك أو غسله والله أعلم.

أقول أو أنه لا ... صبه في إناء غير ذلك وسقاه، وليس في الحديث ما يدل على أنه سقاه من الخف بل فيه أنه يزعم بالخف فاعلم ذلك هذا توجيه زائد على ما قاله والدي رحمه الله تعالى.

قوله (( أبيه ) )يعني ابن عمر و (( في المسجد ) )أي مسجد ص 488 رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اللام للعهد. فإن قلت هذا التركيب مشعر باستمرار الإقبال والإدبار، ولفظ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم دال على عموم جميع الأزمنة إذ اسم الجنس المضاف من الألفاظ العامة، وفي قوله فلم يكونوا يرشون مبالغة ليست في قولك فلم يرشوا بدون لفظ الكون كما في قوله تعالى {وما كان} حيث لم يقل وما يعذبهم، وكذا في لفظ الرش حيث إخباره على لفظ الغسل؛ لأن الرش ليس فيه جريان الماء بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان فنفي الرش يكون أبلغ من نفي الغسل ولفظ شيئًا أيضًا عام لأنه نكرة وقعت في سياق النفي، وهذا كله للمبالغة في طهارة سؤره إذ في مثل هذه الصورة الغالب أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، فإذا قرر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يأمره بغسله قط علم أنه طاهر. قلت لا دلالة له على ذلك إذ تقرير السؤال إنما كان لأن طهارة المسجد متيقنة مشكوك فيها، واليقين لا يرفع الظن فضلًا عن الشك وعلى تقدير دلالته فدلالته لا تعارض منطوق الحديث الناطق صريحًا بإيجاب الغسل حيث قال فليغسله سبعًا ثم كما أن الغالب من استمرارها ولو عرفه فيه الغالب منه أيضًا بوله فيه فيلزم أن يكون بوله طاهرًا أيضًا، وفي نسخة إبراهيم النسفي راوي (خ) كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر ولا قائل بطهارة بوله فعلم أنه متروك الظاهر إما لأنه كان في أول عهد الإسلام قبل ثبوت حكم النجاسة، وإما لأنهم كانوا يقلبون الأرض النجس إلى الوجه الآخر أو هو منسوخ ونحو ذلك.

والظاهر أن الغرض من إيراد هذا الحديث بيان جواز مر الكلاب في المسجد فقط، وأن النجاسة إذا كانت يابسة لا تنجس المكان مع أن الحديث نقله (خ) بلفظ قال لا بلفظ حدثني ونحوه وهو من نوازل الدرجات.

قوله (( من ذلك ) )أي من المسجد وهو إشارة إلى البعيد فالبعيد إما بحسب المكان بأن كان ابن عمر عند الرواية بعيدًا عن المسجد وإما بحسب المكانة أي البعيد في المرتبة أي ذلك المسجد العظيم البعيد درجته عن فهم الناس، والفرق بين ذلك وهنالك أن هنالك للمكان خاصة وذلك أعم منه.

قوله (( عدي ) )بفتح المهملة وكسر الدال والتحتانية المشددة (( ابن حاتم ) )بالمهملة وبكسر المثناة فوق ابن عبد الله الطائي المكنى بأبي طريف بفتح المهملة وبكسر الراء، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة سبع روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وستون حديثا ذكر (خ) منها ثلاثة مات بالكوفة زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة وأبوه حاتم المشهور بالكرم روى عن عدي أنه قال ما دخل علي وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه إذا دخل عليه، وكان يفت الخبز للنمل ويقول إنهن جارات لنا ولهن حق [2] ويقال له الجواد ابن الجواد.

قوله (( سألت النبي صلى الله عليه وسلم ) )أي عن حكم صيد الكلاب يدل عليه الجواب و (( المعلم ) )هو الذي ينزجر بالزجر ويسترسل بالإرسال ولا يأكل منه لا مرة بل مرارًا، وفي إطلاقه دليل لإباحة صيد جميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيره. وقال أحمد لا يحل صيد الكلب الأسود لأنه شيطان. ص 489

قوله (( فقتل ) )لأنه لو بقي له حياة مستقرة لابد من ذكاته إجماعًا، ومعناه فقتل ولم يأكل منه؛ لأن قسيمه هو إذا أكل، وذلك لأنه حينئذ أمسك على صاحبه، وقال تعالى {فكلوا مما أمسكن عليكم} انتهى كلام والدي رحمه الله تعالى.

أقول لي في الكلب المعلم إشكال وذلك إن أجبنا الكلب حرام إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية كما في الصحيح وكلب صيد هو المعلم والتعليم المعتبر هو تعليم المسلم لا الكافر فإن معلم الكافر لا يحل صيده كما سبق، واقتناء الكلب للتعليم حرام لأنه ليس كلب صيد ولا زرع ولا صرع، فكيف يتصور وجود كلب معلم، ويمكن أن يقال أن المراد من المعلم ما قصد تعليمه أو كان علمه غيره فالذي أمسكه لقصد التعليم حكمه حكم الكلب المعلم اعتبار التنبيه ونظيره أنه يجوز عصر العنب بجعله خلًا مع العيق أنه لا يصير خلًا إلا بعد أن يصير خمرًا فاعتبر ثلاثة وجوز له ذلك والله أعلم.

قوله (( سميت ) )أي ذكرت اسم الله على كلبك عند إرساله، وإنما حذف حرف العطف من السؤال والجواب؛ لأنه ورد على طريق المقاولة كما في آية مقاولة موسى وفرعون وعلم منه أنه لابد من هذه الشروط الأربعة حتى يحل صيده.

الأول الإرسال. والثاني كونه معلمًا، والثالث الإمساك على صاحبه بأن لا يأكل منه، والرابع أن يذكر اسم الله عليه عند الإرسال، واختلف في أن التسمية واجبة أم سنة فذهب الشافعي إلى أنها سنة فلو تركها عمدًا أو سهوًا حل الصيد، وأهل الظاهر إلى أنها واجبة فلو تركها سهوًا أو عمدًا لم تحل، وأبو حنيفة إلى أنه لو تركها سهوًا حل وإلا فلا.

واحتج الموجب بقوله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} وأجاب أصحابنا عنه بأن المراد ما ذبح للأصنام كما قال في الآية الأخرى {وما أهل به لغير الله} ولأن الله تعالى قال {وإنه لفسق} وأجمع الأمة على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق فوجب حملها عليه جمعًا بين الدلائل، وبعضهم قالوا الواو في {وإنه لفسق} ليست عاطفة لأن الجملة الثانية اسمية خبرية والأولى فعلية إنشائية فهي حالية إذ الأصل عدم غيرها فيتقيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق في الذبيحة مفسر بما أهل به لغير الله وإذا انتفى كونه مهلًا به لغير الله انتفى النهي فينتفي التحريم فالآية حجة لنا لا علينا وهذا نوع من قلب الدليل.

واحتجوا أيضًا بقوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} إلى قوله تعالى {إلا ما ذكيتم} فأباح بالتذكية من غير اشتراط التسمية.

فإن قيل التذكية لا تكون إلا بالتسمية. قلنا هي في اللغة الشق والفتح بقوله تعالى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} وهم لا يسمون وبحديث عائشة رضي الله عنها أنهم قالوا يا رسول الله إن قومًا حديث عهد بالجاهلية يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا أفنأكل منه. فقال سموا وكلوا.

فإن قلت ما وجه ارتباطه بالترجمة. قلت أما على ما في بعضها من لفظ وأكلها بعد لفظ المسجد عند ذكر الترجمة فظاهر، وأما على غيره فلمناسبة حكم السؤر والله أعلم.

أقول قال ابن العربي الولوغ للسباع والكلاب كالشرب لبني آدم وقد يستعمل الشرب في السباع ولا يستعمل الولوغ في الآدمي، وقال أبو عبيد الولوغ بضم الواو إذا شرب فإن كبر ذلك فهو بفتح الواو.

[1] في هامش المخطوط أقول لا بد في هذا من تفصيل يظهر المقصود وهو أنه أدركه حيًا أو ميتًا، قال أدركه حيًا فتذكية بلا خلاف وإن أدركه ميتًا ففيه البحث فليس على إطلاقه فتأمله.

[2] في هامش المخطوط 249

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت