فيه حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه ... إلى آخره.
هذا الحديث فيه الرفع عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وهو عند الإحرام مشروع بالإحرام لهذا الحديث وغيره، ولا عبرة بخلاف الزيدية وفيما سواه، قال به الشافعي وأحمد وجمهور الصحابة فمن بعدهم، وهو رواية عن مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة لا يستحب إلا في تكبيرة الإحرام وهو مشهور الروايات عن مالك [1] .
قال (خ) في كتابه (( رفع اليدين في الصلاة ) )بعد أن أخرجه من طريق علي وكذلك روي عن تسعة عشر نفرًا من الصحابة أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، وعدد أكثرهم.
وزاد البيهقي جماعات. وذكر ابن الأثير في (( شرحه ) )أن ذلك روي أكثر من عشرين نفرًا، قال الحاكم ومن جملتهم العشرة المشهود لهم بالجنة.
قال القاضي أبو الطيب قال أبو علي روى الرفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثون من الصحابة. قلت أما حديث (( مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة ) )فالمراد بالرفع هنا رفعهم أيديهم عند السلام، مشيرين إلى السلام من الجانبين كما صرح به في الرواية الأخرى، ثم المشهور أنها لا يجب شيء من الرفع.
وحكي الإجماع عليه وحكي عن داود إيجابه في تكبيرة الإحرام، وبه قال ابن سيار من أصحابنا. وحكي عن بعض المالكية. وحكي عن أبي حنيفة ما يقتضي الإثم بتركه، وقال الحميدي يجب عند الركوع وعند الرفع منه أيضًا، وهو رواية عن الأوزاعي.
وقال ابن خزيمة من ترك الرفع في الصلاة فقد ترك ركنا من أركانها.
وفي (( قواعد ابن رشد ) )عن بعضهم وجوبه عند السجود أيضًا.
ثم اختلفت الروايات في صفة الرفع ففي رواية الباب إلى حذو المنكبين. والمنكب مجمع عظم والكتف. وفي رواية لمسلم أنه رفعهما حتى حاذى بهما أذنيه. وفي أخرى فروع أذنيه.
وجمع الشافعي بينهما بأنه عليه السلام جعل كفيه محاذيًا منكبيه وأطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهاميه شحمتي أذنيه، فاستحسن الناس ذلك منه، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.
وروي عن مالك إلى صدره. وعن أبي حنيفة أنه يرفع حذو الأذنين.
وعن طاوس أنه يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وعن الطحاوي أن الرفع إلى الصدر والمنكبين في زمن البرد إلى الأذنين وفوق الرأس في زمن الحر؛ لأن أيديهم في زمن البرد تكون ملفوفة في ثيابهم، وفي غيره تكون بادية.
واعتمد رواية نافع إلى الأذنين. وحمل رواية المنكبين أنهم فعلوا ذلك في البرد. ويمنع من ذلك رواية سفيان بن عيينة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه.
قال وائل ثم أتيتهم في الشتاء فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس. كذا رواه الشافعي والحميدي عن سفيان. وهي مصرحة أن الرفع إلى المنكبين كان في الشتاء. وقال ابن سريج هذا من الاختلاف في المباح.
واختلف في وقت الرفع، فظاهر رواية (خ) أنه يبتدئ الرفع من ابتداء التكبير، ولم يتعرض فيها لوقت وضعهما. وفي رواية لمسلم أنه رفعهما ثم كبر. فهذه حالات فعلت لبيان جواز كل منها، وهي أوجه لأصحابنا، أصحها الابتداء مع الابتداء، أعني ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، والاستحباب في الانتهاء. وعن الجويني ونسبه الغزالي إلى المحققين أن هذه الكيفيات كلها سواء ص 968 ولا أولية.
فائدة
في حكمة الرفع قال الشافعي فعلته إعظامًا لجلال الله واتباعًا لسنة رسول الله ورجاء ثواب الله.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( مع الافتتاح ) )أي افتتاح التكبير وافتتاح الصلاة وهما متلازمان.
قوله (( كذلك ) )أي حذو منكبه ورفعهما هو جواب لقوله وإذا رفع بقرينة عطف، وقال سمع الله لمن حمده وأما إذا كبر فهو عطف على إذا افتتح.
(( ولك الحمد ) )بالواو وهذا فيه دلالة للشافعية حيث قالوا يقول الإمام ربنا لك الحمد أيضًا و (( ذلك ) )أي رفع اليدين [2] .
[1] في هامش المخطوط (( أقول يحكى أن الأعمش صلى وأبو حنيفة جالس فلما فرغ قال له أبو حنيفة وقد صلى معه كنت يا أبا حنيفة في صلاتك هذه تريد أن تطير فتميل يعني رفعت يديك في الانتقالات قال لو كان رفع اليد يوجب الطيران لطرت أنت أيضًا يعني لأنك رفعت في أول صلاتك ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول قال ابن المقرئ قال ابن المبارك لم يثبت حديث ابن مسعود هذا ) ).