وقال الليث حدثني جعفر ... إلى آخره.
هكذا أخرجه (خ) هنا تعليقًا، وأسنده في كتاب المظالم وأحاديث الأنبياء عن مسلم بن إبراهيم، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
وأخرجه (م) في الأدب من كتاب البر والصلة، من حديث حميد بن هلال [1] .
وبخط الدمياطي على حاشية أصله روى الليث بن سعد، عن يزيد بن حوشب، عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لو كان جريج الراهب فقيهًا عالمًا لعلم أن إجابة أمه خير من عبادة ربه ) ).
وحوشب هذا هو ابن طخمة بالميم الحميري.
وأخرج الشيخان من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى، وصاحب جريج .. ) )الحديث.
(( المياميس ) )الزواني، الواحدة مومسة. والجمع مومسات بضم الميم الأولى وكسر الثانية، وجاء هنا مياميس، وهو جائز.
وقال ابن الجوزي أصحاب الحديث يقولون مياميس بزيادة ياء.
قال لنا ابن الخشاب ليس قولهم صحيحًا.
وقال صاحب (( المطالع ) )المومسات المجاهرات بالفجور. وبالياء رويناه عن جميعهم، وكذا ذكر أصحاب العربية، وروي الميأميس. بالهمز.
قوله (( يا بابوس ) )هو اسم ولدها كما قاله الداودي، وقال القزاز هو الصغير. ووزنه فاعول، فاؤه وعينه من جنس واحد، وهو قليل. وقيل اسم أعجمي.
وبخط الدمياطي بابوس الرضيع بالفارسية. وهو ما ذكره ابن بطال إثر الحديث.
والحديث دال على أنه لم يكن الكلام في الصلاة ممنوعًا في شريعة جريج، فلما لم يأت من إجابتها ما هو مباح له استجيبت دعوة أمه فيه. ص 1276
وقد كان الكلام في شريعتنا جائزًا في الصلاة حتى نزلت {وقوموا لله قانتين} [البقرة238] ويأتي في (خ) من حديث أبي سعيد بن المعلى قال كنت أصلي في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت يا رسول الله، كنت أصلي. قال (( ألم يقل الله {استجيبوا لله وللرسول} ؟ ... ) )الحديث [2] .
ولا يجوز أن يوبخه الشارع على ترك الإجابة إلا وقت إباحة الكلام في الصلاة، فلما نسخ ذلك لم يجز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) )وحق الله تعالى الذي شرع فيه ألزم من حق الوالدين حتى يفرغ منه، لكن العلماء يستحب أن يخفف صلاته ويجيب أبويه.
وصرح أصحابنا وقالوا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو دعا إنسانًا وهو في الصلاة وجبت عليه الإجابة، ولا تبطل.
وحكى الروياني في (( بحره ) )ثلاثة أوجه في إجابة أحد الأبوين
أصحها لا تجب الإجابة.
2 تجب وتبطل.
3 تجب ولا تبطل.
وذكر القاضي أبو الوليد في قصة ذي اليدين أن حكم الإجابة يختص بالشارع؛ للآية السالفة، وأنه في الفريضة.
وفي الوجوب في حق الأم دون الأب حديث مرسل يوافق الوجوب، رواه ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، فإذا دعاك أبوك فلا تجبه ) ).
وقال به مكحول وأما مرسل ابن المنكدر فالفقهاء على خلافه ولا أعلم به قائلًا غير مكحول، ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمه فليجبها، يعني بالتسبيح، وبما أبيح للمصلي الاستجابة به، كما ذكره ابن حبيب قال من أتاه أبوه ليكلمه وهو في نافلة فليخفف ويسلم ويكلمه، وإذا نادته أمه فليبتدرها بالتسبيح، وليخفف وليسلم.
قوله (( اللهم أمي وصلاتي ) )إنما سأل أن يلقي في قلبه الأفضل، ويحمله على أولى الأمرين به، فحمله على التزام مراعاة حق الله تعالى على حق أمه، وقد يمكن أن يكون جريج نبيًا؛ لأنه كان في زمن يمكن فيه النبوة، قاله ابن بطال [3] .
فإن قلت يحتمل أن يكون حديث أبي سعيد السالف قبل تحريم الكلام في الصلاة كما قلت، فكيف جاز له ترك مجاوبة النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الكلام مباحًا؟
فالجواب أنه يمكن أن يتأول أبو سعيد قوله {استجيبوا} [الأنفال24] إذا كنتم في غير صلاة، فعذره عليه السلام بذلك حين رأى التزام السكوت في الصلاة تعظيمًا لشأنها، كما تأول أصحابه يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق أن لا يحلقوا لما لم يبلغ الهدي محله.
فإن قلت فيحتمل أن يدعوه وقت تحريم الكلام في الصلاة؟ فالجواب أنه يحتمل ذلك، وتكون استجابته له بالتسبيح، فيوجز في صلاته [4] ، فتجتمع طاعة الله بإتمام الصلاة وطاعة الرسول بالاستجابة له.
وأظهر التأويلين أن يدعوه عليه السلام وقت إباحة الكلام في الصلاة.
وفي الحديث دلالة على أن من أخذ بالشدة في أمور العبادات كان أفضل إذا ص 1277 علم من نفسه قوة على ذلك؛ لأن جريجًا دعا الله في التزام الخشوع له في صلاته وفضله على الاستجابة لأمه، فعاقبه الله على ترك الاستجابة لها، بما ابتلاه به من دعوة أمه، ثم أراه فضل ما آثره من مناجاة ربه والتزام الخشوع له إن جعل له آية معجزة في كلام الطفل، فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه [5] .
وفيه أن من دعته أمه وهو في صلاة لا يخشى فواتها أن يجيبها، ثم يعود إليها.
وقال عبد الملك إن كانت صلاته نافلة، فإجابة الأم أفضل من صلاة النافلة.
فإن قلت كيف قال من أبوك، والزاني لا يلحقه الولد؟ فالجواب إما أن يكون لاحقًا في شرعهم، أو المراد من ماء من أنت؟ وسماه أبًا مجازًا.
قال القرطبي وقد يتمسك به من قال إن الزنا يحرم كالحلال. قال ويستدل به أيضًا أن المخلوقة من زناه لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور خلافًا لابن الماجشون، وهو أعني قول ابن الماجشون الأصح عند الشافعية.
وفيه أيضًا وقوع كرامات الأولياء، وهو قول جمهور أهل السنة والعلماء، وقد نسب لبعض العلماء إنكارها.
وفيه أن كرامات الأولياء قد تقع باختيارهم وطلبه وهو الصحيح عند أصحابنا المتكلمين ومنهم من قال لا تقع باختيارهم وطلبهم.
وفيه أن الكرامات قد تكون بخوارق العادات على جميع أنواعها، ومنعه بعضهم وادعى أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه، وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بطلب الأعيان، وإحضار الشيء من المعدوم ونحوه.
وروى عمارة أن جريجًا سأله وهو في بطنها فأجابه ثم أجابه حين ولد.
أقول
قد خطر لي إشكال في هذا الحديث وهو أنه لا يخلو إما أن يكون جريح في عدم إجابته مصيبًا أو آثمًا فإن كان مصيبًا مطيعًا لربه فكيف استجيب دعوة أمه فيه وإن كان آثمًا فكيف أظهر الله كرامته من تكلم الصغير يحتاج إلى جواب ولم أر أحدًا تعرض لهذا الإشكال، إلا ما أشار إليه ابن الملقن آنفًا في أنه عاقبه على ترك الاستجابة لها ... إلى آخره.
فائدة
تكلم في المهد أيضًا شاهد يوسف، كما ذكره القرطبي عن ابن عباس، ويحيى بن زكريا عن الضحاك. ورضيع التي تقاعست عن الأخدود.
والحديث السالف (( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة [6] ) )، وذكر الأولين ظاهره الحصر، ولا شك أن الأوائل لا خلاف فيهم والباقون مختلف فيهم، أو أن الله تعالى أطلع نبيه ثانيًا زيادة على ما أطلعه عليه أولًا.
وقال ابن عباس وعكرمة كان صاحب يوسف رجلًا ذا لحية. وقال مجاهد الشاهد هو القميص وتكلم أيضًا مبارك اليمامة كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره في الدلائل.
أقول
الذين تكلموا في المهد ثلاثة ذكرهم (خ) عيسى وصاحب جريج وابن المرأة التي مر بها رجل ذو شارة، وفي غير (خ) يحيى وابن المرأة مع أنه لذي صاحب الأخدود وشاهد يوسف وصبي أتى به في حجة الوداع يوم ولد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له من أنا قال رسول الله فقال صدقت بارك الله فيك فسمي مبارك اليمامة.
قال الزركشي وذكره الطبراني عن ابن عباس أن ابن ماشطة فرعون تكلم في المهد واتفق ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم في خبر شاصويه ذكره الدارقطني وغيره.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أمي وصلاتي ) )أي اجتمع إجابة أمي وإتمام صلاتي فوفقني لأفضلهما و (( لا يموت ) )نفي في معنى الدعاء.
قوله (( بابوس ) )بالموحدتين والثانية منهما مضمومة بضم السين المهملة لأنه منادى معرفة وهو ص 1278 على وزن فاعول اسم للولد الرضيع ولو صح الرواية بكسر السين وتنوينها يكون كنية له ومعناه يا أبا الشدة.
النووي فيه أنه آثر الصلاة على إجابة أمه فدعت عليه فاستجاب الله لها.
وفيه أن الصواب كان إجابتها لأن الاستمرار في صلاة النفل تطوع وإجابة الأم وبرها واجب وكان يمكنه أن يخفف فيجيبها ولعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود إلى الدنيا.
وفيه عظم بر الوالدين وأن دعاءهما مجاب وأنه إذا تعارضت أمور بدئ بأهمها وأن الله يجعل لأوليائه مخارج عند ابتلائهم عاليًا ومن يتق الله يجعل له مخرجًا وقد لا يجعل في بعض الأوقات يهدينا لهم ولطفًا عليهم وفيه إثبات كرامات الأولياء [7] .
قال ابن بطال يمكن أن يكون نبيًا فيكون معجزة قال والبابوس الرضيع بالفارسية وقد ورد في الشعر حنت قلوصي إلى بابوسها جزعًا.
الزركشي
قوله (( حصين بن عبد الرحمن ) )بضم الحاء.
قوله (( ففجأهم ) )بجيم مفتوحة ويروى ففجئهم بكسرها.
(( ستر ) )بكسر السين.
(( فنكص ) )بالصاد ويروى بالسين.
قوله (( المياميس ) )جمع مومسة وهي البغي ويجمع على مماميس والمحدثون يقولون ميامس فلا يصح إلا على إشباع الكسرة ليصير كمطفل ومطافل ومطافيل.
(( وبابوس ) )بموحدتين بلا همز، الصبي الرضيع.
[1] في هامش المخطوط (( وفي رواية الإسماعيلي زواني المدينة بدل المياميس ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول ما قاله المؤلف فيه نظر فإن كلامه مباح قبل إباحة الكلام وبعد تسبيحه فلا معنى لذكره هنا ) ).
[3] في هامش المخطوط (( أقول هذا التأويل فيه نظر فإن من المخل أن أحدا من الصحابة يدعوه النبي عليه السلام بغير الصلاة ولا يجيب بل يبادر إلى إجابته بلفظه وقلبه وقالبه فالمتعين أن يكون كان ذلك في الصلاة ) ).
[4] في هامش المخطوط (( أقول هذا أيضًا فيه نظر لأنه لا يبقي مزية للرسول على غيره من أمته ) ).
[5] في هامش المخطوط (( وفي بعض التواريخ في قصة جريج أنه كان بعد ذلك لا يصلي نافلة إلا بإذن أمه وإذا دعته وهو في الصلاة قطعها، أقول علم من هذا الحديث .... وفرض الصلاة ونافلتها كان في دين جريج وفيه دليل على أنه يجوز الخروج من الصلاة النافلة بخلاف الفرض وهو مذهب الشافعي وفيه أن جريجًا كان متنفلًا ) ).
[6] في هامش المخطوط (( أقول ويحتمل أن يكون معناه الذين تكلموا وهم في المهد ثلاثة وغيرهم تكلم في غير المهد ) ).
[7] في هامش المخطوط (( قال بعض الصوفية فمن ابتلي من الأولياء ما ابتلوا ليعذبوا ولكن ليهذبوا ) ).