فيه حديث أنس أن رجلًا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ... الحديث.
وقد سلف في الجمعة، وكرره في الباب مرات، وأخرجه (م) أيضًا و (د، ن) .
قوله (( من باب كان وجاه المنبر ) )يعني مستدبر القبلة، كذا قاله ابن التين، وليتأمل، وفي الرواية التي بعد هذا الباب من باب كان نحو دار القضاء، وسميت دار القضاء؛ لأنها بيعت في قضاء دين عمر كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله، استعان ببني عدي ثم بقريش، فباعها لمعاوية وما له بالغابة، وقضى دينه، وكان ثمانية وعشرون ألفا، كذا قاله القاضي، والمشهور أنه كان ستة وثمانين ألفًا.
ونحوه، وهو في (خ) وغيره من أصل التاريخ، وكان يقال لها دار قضاء دين عمر، ثم اختصروا فقالوا دار القضاء، وهي دار مروان، وقيل دار الأمارة وكأنه ظن أن المراد بالقضاء الأمارة.
قوله (( وقطعت السبل ) )أي الطرق، وفي رواية أبي ذر وانقطعت، وهو أشبه ص 1148 كما قال ابن التين، قال واختلف في معناه، فقيل ضعفت الإبل لقلة الكلأ أن يسافر بها، وقيل لأنها لا تجد في أسفارها من الكلأ ما يبلغها، وقيل إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام، ولم يجلبوه إلى الأسواق خوفًا من الشدة.
قوله (( فادع الله يغيثنا ) )كذا هو في جميع النسخ بضم الياء من أغاث يغيث، والمشهور في كتب اللغة أنه إنما يقال في المطر غاث الله الناس والأرض يغيثهم بفتح الياء.
قال عياض عن بعضهم المذكور هنا من الإغاثة بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث، إنما يقال في طلب الغيث اللهم غثنا، ويحتمل كما قال القاضي أن يكون من طلب الغيث أي هب لنا غيثًا وارزقنا غيثًا، كما يقال سقاه الله وأسقاه أي جعل له سقيًا على لغة من فرق بينهما.
قوله (( فرفع رسول الله يديه ) )فيه الرفع في دعاء الاستسقاء، وقد أفرده (خ) بباب، وسيأتي.
وفيه الاستسقاء في الجامع دون الصحراء، وقد أجاب الله دعاء نبيه فسقى وأسقى، وهو علم من أعلام نبوته، وجواز الاستسقاء من غير تحويل، والدعاء مستدبر القبلة؛ لأنه لم يرد في حديث أنس هذا أنه استقبل القبلة في دعائه على المنبر، وإن جاء في حديث غيره، وفي رواية فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حذاء وجهه.
وفيه الاجتزاء بالدعاء عن الصلاة.
قوله (( اللهم اسقنا ) )كرره ثلاثا؛ لأن تثليث الدعاء مستحب.
وسلع بفتح المهملة وسكون اللام جبل بقرب المدينة، ووقع لبعضهم فتح اللام، ولبعضهم بغين معجمة، وكله خطأ كما قاله صاحب (( المطالع ) ).
ومراد أنس بذلك الإخبار عن معجزة هذا النبي العظيم، بإنزال المطر حالا، واستمراره سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب، ولا قزع، ولا سبب آخر لا ظاهر ولا باطن.
وهذا معنى قوله (( وما بيننا وبين سلع من بيت ) )وفي رواية من دار، أي نحن مشاهدون له من السماء، وليس هناك سبب للمطر أصلا، وشبه السحابة بالترس؛ لكثافتها واستدارتها.
أقول
قال ابن الأثير سلع بالفتح ثم السكون قيل جبل بسوق المدينة، وقيل موضع بقرب المدينة والمشهور أنه الجبل الذي على باب المدينة.
قال ابن الملقن قوله أمطرت كذا هو بالألف، وفي (م) أمطرنا وهو صحيح، ودليل لمذهب الأكثرين المختار أنه يقال مطرت وأمطرت لغتان في المطر رباعيا وثلاثيًا بمعنى واحد، وقيل لا يقال أمطرت بالألف إلا في العذاب؛ كقوله {وأمطرنا عليهم} [الشعراء173] .
أقول
قال في لباب الغريبين لمحمد بن نصر السمرقندي مطرت السماء وأمطرت واحد لغة وأمطرنا في العذاب ومطرنا في الرحمة تفسيرًا.
قوله (( ما رأينا الشمس سبتًا ) )بسين مهملة ثم موحدة ثم مثناة فوق أي قطعة من الزمان، وأصل السبت القطع وقد رواه الداودي (( ستا ) )وفسره ستة أيام وهو تصحيف.
قوله (( الإكام ) )بكسر الهمزة جمع إكمه، ويقال في جمعها آكام بالفتح والمد، ويقال أكم بفتح الهمزة والكاف، وأكم بضمها، وهو دون الجبال، وقيل تل، وقيل أعلى من الرابية، وقيل دونها.
و (( الظراب ) )بالمعجمة المكسورة قال الفراء جمع ظرب ساكن الراء، وقيل بكسر الراء، وهو الجبل المنبسط ليس بالعالي.
وعن الداودي الظرب بفتح الظاء وكسر الراء الجبل الصغير، وقيل الآكام أصغر من الظراب وبخط الدمياطي قيل بكسر الظاء وسكون الراء.
والأودية أي التي تحمل الماء.
ومنابت الشجر التي تنبت الزرع والكلأ، يريد بالشجر ص 1149 المرعى رغبة منه أن تكون الأمطار بحيث لا تضر بأحد كثرتها.
وفيه الدعاء للدفع عن المنازل والمرافق عند الكثرة والضرر، ولا شرع له صلاة، ولا اجتماع في الصحراء، وممن صرح به ابن بطال حيث قال لا بروز فيه، ولا صلاة تفرد له، وإنما يكون الدعاء في الاستصحاء في خطبة الجمعة، أو في أوقات الصلوات وأدبارها، وقد سمى الله تعالى كثرة المطر أذى فقال {إن كان بكم أذى من مطر} [النساء102] قال ولا يحول الرداء في الاستصحاء أيضًا.
قوله (( فانقطعت ) )وفي رواية فانقلعت، باللام وهما بمعنى، وفيه معجزة ظاهرة لسيد الأمة في إجابة دعائه، وأدبه في الدعاء؛ فإنه لم يسأل رفعه من أصله، بل سأل رفع ضرره وكشفه عن البيوت والمرافق وسأل بقاءه في موضع الحاجة، بحيث يبقى خصبه ونفعه، وهي بطون الأودية وغيرها، فيجب امتثال ذلك في نعم الله إذا كثرت، أن لا نسأل الله قطعها وصرفها عن العباد.
قوله (( فسألت أنسًا أهو الرجل الأول؟ قال لا أدري ) )كذا هنا، وفي باب الرفع فأتى الرجل، وظاهره الأول، وفي باب من اكتفى بالجمعة في الاستسقاء جاء رجل في الأول، ثم قال ثم جاء. وفي رواية قام أعرابي. في الأول، ثم قال فقام ذلك الأعرابي. وفي أخرى أو قال غيره، وفي رواية للبخاري أنه الأول ذكرها في باب الرفع، وسيأتي.
قال ابن التين ولعله تذكر بعد ذلك، أو نسي إن كان هذا الحديث قبل قوله لا أدري هو الأول أم لا؟