قوله إذا نعس أحدكم إلى آخر الحديثين، حديث عائشة أخرجه (م) والدارقطني، وحديث أنس انفرد به (خ) وانفرد (م) عنه من حديث أبي هريرة مرفوعًا (( إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع ) ).
ووجه مطابقة الحديثين لما بوب عليه، فإن ظاهره النهي عن الصلاة مع النعاس فقط، لا عدم الوضوء من النعاس الخفيف. إن مفهوم تعليل النهي عن الصلاة معه بذهاب العقل المؤدي إلى أن يعكس الأمر، يريد أن يدعو فيسب نفسه، أنه إذا لم يبلغ هذا المبلغ صلى، أو أنه إذا بدأ به النعاس وهو في النافلة يقتصر على إتمام ما هو فيه ولا يستأنف أخرى، فتماديه على حالته دال على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة، ويحتمل قطع الصلاة التي هو فيها، إذ لا يستأنف غيره.
والنعسة بفتح النون السنة. بخلاف النوم فإنه الغلبة على العقل، وسقوط حاسة البصر ص 522 وغيرها من الحواس، والنعاس بغير الحواس من غير سقوطها. وفي كتاب (( العين ) )النعاس النوم. وقيل ثقلته. قال ابن دريد خفق خفقة نعس نعسة ثم انتبه. وقال أبو زيد خفق برأسه من النعاس أماله [1] .
قوله نعس بفتح العين، والعامة بضمها، وهو خطأ كما قاله أبو حاتم ومضارعه ينعس. وحكى صاحب (( الموعب ) )عن بعض بني عامر فتح العين من المضارع.
وفيه الحث على الإقبال على الصلاة بخشوع وفراغ قلب ونشاط، وأمر الناعس بالنوم أو نحوه مما يذهب عنه النعاس، وهذا عام في صلاة الفرض والنفل في الليل والنهار، وهذا مذهب الشافعي والجمهور، لكن لا يخرج الفريضة عن وقتها، وحمله مالك وجماعة كما قال القاضي على نفل الليل؛ لأنها محل النوم غالبًا.
وقد ذكر عليه السلام العلة، وهو خلط الاستغفار بالسب، ومن صار في مثل هذه الحالة من ثقل النوم أدى إلى نقض طهارته وبطلان صلاته، وادعى المهلب الإجماع على بطلان طهارة وصلاة من انتهى إلى هذه الحالة. قال فأشبه من نهاه الله عن مقاربة الصلاة في حال السكر بقوله تعالى {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية [النساء43] على أن الضحاك أول السكر بالنوم في الآية، والأكثر على أنها نزلت في سكر الخمر.
ودل القرآن على ما دلت عليه السنة، أنه لا ينبغي للمصلي أن يقرب الصلاة مع شاغل يشغله عنها، ومعنى يستغفر هنا يدعو كما قاله القاضي، والرواية التي سلفت (( لعله يريد أن يستغفر فيدعو على نفسه ) )دالة على ذلك.
فإن قلت فقد جاء في حديث ابن عباس في نومه عليه السلام في بيت ميمونة فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني. ولم يأمره بالنوم.
قلت لأنه جاء تلك الليلة؛ للتعليم منه ففعل ذلك؛ ليكون أثبت له.
ومقصود الباب، أن النوم اليسير لا ينقض، وهو إجماع مما قاله ابن بطال إلا المزني وحده قال وخرق الإجماع قال وأجمعوا على النقض بالاضطجاع، واختلفوا في هيئات النائمين فقال مالك إن نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء، قال وفرق الشافعي بين نومه في الصلاة وغيرها، فقال إن كان في الصلاة لا ينقض كما لا ينقض نوم القاعد.
قال وله قول آخر كمذهب مالك، وعند الثوري وأبي حنيفة لا ينقض إلا نوم المضطجع فقط. وفيه حديث عن ابن عباس مرفوعًا وهو معلول. والقائم والراكع والساجد يمكن خروج الريح منه؛ لانفراج موضع الحدث منه، ولا يشبه القاعد المنضم الأطراف إلا أن يطول نومه في حال قعوده، فعليه الوضوء عند مالك والأوزاعي وأحمد، ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس في القلة والكثرة، وقالا لا ينتقض وضوؤه وإن طال.
وحاصل المذاهب في النوم تسعة
1 أنه لا ينقض بحال، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري وجماعة من الصحابة وغيرهم، وادعى بعضهم الإجماع على خلافه جهلًا وجرأة.
2 أنه ناقض مطلقًا، وهو مذهب الحسن البصري والمزني، وحكي عن الشافعي أيضًا وهو غريب، فإن ابن جرير وهو قول أبي هريرة وأبي رافع ص 523 وعروة وغيرهم، وفيه حديث علي مرفوعًا (( العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ ) )وفيه مقال.
3 أنه لا ينقض إلا نوم المضطجع فقط. وبه قال داود وغيره. وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد.
4 أن كثيره ينقض مطلقًا دون قليله؛ للحرج، وهو مذهب الزهري وربيعة ومالك في إحدى الروايتين.
واختلف أصحابنا في تحديد الكثير من النوم الذي ينقض الوضوء. فقال القاضي ليس للقليل حد يرجع إليه. وقيل حد الكثير ما يتغير به النائم عن هيئته مثل إن سقط على الأرض أو يرى حلمًا، والصحيح أنه لا حد له.
5 إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه، سواء كان في الصلاة أم لم يكن، فإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا انتقض، وهو قول أبي حنيفة، وحكي عن داود وعن الشافعي أيضًا وهو غريب، وفيه حديث عن ابن عباس لا يثبت.
6 لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي عن أحمد.
7 لا ينقض إلا نوم الساجد، روي أيضًا عن أحمد.
8 أن النوم في الصلاة غير ناقض، وخارجًا ناقض وحكي عن الشافعي.
9 أنه إن نام ساجدًا في مصلاه فليس عليه وضوء، وإن نام ساجدًا في غير صلاة توضأ.
10 إن نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض فلا ينقض، وإلا نقض قل أو كثر في الصلاة أو خارجها، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وعنه أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير ممكن غلب على الظن خروجه، فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق، وأما إذا كان ممكنًا فلا يغلب على الظن الخروج، والأصل بقاء الطهارة.
قال ابن العربي تتبع علماؤنا مسائل النوم المتعلقة بالأحاديث الجامعة لتعارضها. فوجدوها أحد عشر حالًا أن ينام ماشيًا قائمًا مستندًا راكعًا ساجدًا قائمًا قاعدًا متربعًا محتبيًا متكئًا راكبًا مضطجعًا مستورًا.
فرع هذا كله في حقنا، فأما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خصائصه أنه لا ينتقض بالنوم مطلقًا؛ لحديث ابن عباس نام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه، وصلى ولم يتوضأ، وقد سلف.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( النعسة ) )أي فتور في الحواس، الجوهري النعاس الوسن، وقد نعست بالفتح أنعس نعاسًا ونعست نعسة واحدة وأنا ناعس، وخفق الرجل بفتح الفاء يخفق خفقة؛ أي حرك رأسه وهو ناعس، وفي الغريبين معنى تخفق رؤوسهم تسقط أذقانهم على صدورهم.
قوله (( فليرقد ) )أي فلينام، فإن قلت الشرط هو سبب للجزاء فههنا النعاس سبب للنوم أو للأمر بالنوم قلت مثله محتمل للأمرين كما يقال في نحو اضربه تأديبًا مفعول له إما للأمر بالضرب، وإما للمأمورية والظاهر هو الأول.
قوله (( وهو ناعس ) )جملة حالية، فإن قلت ما الفائدة في تغير الأسلوب حيث قال ثمة نعس وهو يصلي بلفظ الفعل وههنا وهو ناعس بلفظ اسم الفاعل؟ قلت ليدل على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس وتقضية في الحال بل لابد من ثبوته بحيث يقضي إلى عدم درايته بما يقول وعدم علمه مما يقرأ.
فإن قلت هل فرق بين نعس وهو يصلي وصلى وهو ناعس؟ قلت الفرق الذي بين ضرب قائمًا وقام ضاربًا وهو احتمال القيام بدون الضرب في الأول، واحتمال الضرب بدون القيام في الثاني.
فإن قلت لم ص 524 اختار ذلك ثمة وهذا هنا. قلت الحال هو قيد وفضله والأصل في الكلام هو ماله القيد، ففي الأول لاشك أن النعاس هو علة الأمر بالرقود لا الصلاة فهو المقصود الأصلي في التركيب، وفي الثاني الصلاة علة للاستغفار إذ تقدير الكلام فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس يستغفر، ولفظ (( لا يدري ) )وقع موقع الجزاء هذا إذا قلنا إذا شرطية وإلا فلا يدري خبر للكلمة المحققة.
قوله (( لعله يستغفر ) )أي يريد أن يستغفر (( فيسب ) )وفي بعضها (( يسب ) )بدون الفاء وهو حال. فإن قلت لعل معناه الترجي فكيف صح هنا؟ قلت الترجي فيه عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به؛ أي لا يدري أمستغفر أم ساب مترجيًا للاستغفار وهو في الواقع بضد ذلك أو استعمل بمعنى التمكن بين الاستغفار والسب لما أن المرتجي بين حصول المرجو وعدمه، فمعناه لا يدري أيستغفر أم يسب وهو متمكن منهما على السوية.
قال المالكي جاز في فيسب الرفع باعتبار عطف الفعل على الفعل والنصب باعتبار أنه جواب للعل فإنها مثل ليت.
قوله (( إذا نعس ) )أي أحدكم والقرينة ظاهرة، وفي بعضها (( إذا نعس أحدكم ) )بإظهار لفظ أحدكم، وفي بعضها لم يوجد لفظ في الصلاة، و (( يعلم ) )بالنصب لا غير، وقيل فليتم معناه فليتجوز في الصلاة ويتمها وينام وما في ما يقرأ موصولة، والعائد المفعول يجوز حذفه ويجوز كونها استفهامية.
فإن قلت كيف دلالته على الترجمة؟ قلت قال ابن بطال كيفيتها أنه لما أوجب عليه السلام قطع الصلاة لغلبته النوم والاستغراق فيه دل أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك ولم يغلب عليه أنه معفو عنه لا وضوء فيه.
وأقول سماه النبي صلى الله عليه وسلم مصليًا حالة النعاس فعلم أن النعاس ليس بحدث، وقال وهذا يدل على أن النوم القليل بخلاف ذلك، وأجمع الفقهاء على أن القليل الذي لا يزيل العقل لا ينقض الوضوء إلا المزني وحده، فإنه جعل قليل النوم وكثيره حدثًا وخرق الإجماع، وأقول قد قال به غير المزني ولا يجوز نسبة خرق الإجماع الذي يكاد يقارب التكفير إليه.
الزركشي
قوله (( نعس ) )بفتحتين.
(( والخفقة ) )بسكون الفاء هي النعسة، وإنما كرر لاختلاف اللفظ.
واعلم أن الترجمة مشعرة بأن النعاس لا يوجب الوضوء، والحديث مشعر بالنهي عن الصلاة ناعسًا؟
والجواب أنه استنبط عدم الانتقاض بالنعاس من قوله (( إذا صلى وهو ناعس ) )والواو للحال، فجعله مصليًا مع النعاس، فدل على بقاء وضوئه.
وقوله (( فليتم ) )أي يتجوز في صلاته ويتمها وينام، لا أنه يقطع صلاته بمجرد النعسة، ويجوز أن يريد (خ) بقوله (( الوضوء من النوم ) )انقسام النوم إلى ما لا ينقض كالنعاس، وإلى ما ينقض كالمستغرق غير ممكن مقعدته.
قال ابن المنير إن قلت كيف مخرج الترجمة من الحديث ومضمونها أن لا يتوضأ من النعاس الخفيف، ومضمون الحديث النهي عن الصلاة مع النعاس. قلت إما أن يكون تلقاها من مفهوم تعليل النهي عن الصلاة حينئذ بذهاب العقل المؤدي إلى أن يعكس لأمر يريد أن يدعو فبست نفسه دل أنه إن لم يبلغ هذا المبلغ صلى به، وإما أن يكون تلقاها من كونه إذا بدأ به النعاس، وهو في النافلة اقتصر على إتمام ما هو فيه ولم يستأنف أخرى فتأدبه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير ص 525 لا ينافي الطهارة وليس بصريح في الحديث بل يحمل قطع الصلاة التي هو فيها، ويحمل النهي عن استئناف شيء آخر والأول أظهر.
[1] في هامش المخطوط قوله الخفقة في النوم كالسنة وأصله ميل الرأس واضطرابه والخفق الحركة، وأخفقت السرية إذا لم تغنم وخفق النعال صوب دفعها ولا يقال خفق الأمي الضرب بالشيء العريض ومنه سميت الدرة مخفقة.