(( فيه حديث حسان بن ثابت يتشهد أبا هريرة ... إلى آخره ) )هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في باب بدء الخلق، والأدب، وأخرجه (م) في الفضائل.
ولم يذكر أبو مسعود والحميدي وغيرهما أن لحسان رواية في هذا الحديث، ولا ذكروا له حديثًا مسندًا، وإنما أوردوا هذا الحديث في مسند أبي هريرة، وخالف خلف فذكره في مسند حسان، وأنه روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وحسان هذا هو ابن ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي النجار الشاعر المدني أبو الحسام، أو أبو الضرب، أو أبو عبد الرحمن شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه الفريعة بنت خالد الصحابية، وكان قديم الإسلام ينصر النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه، ولم يشهد معه مشهدًا؛ لأنه كان يجبن، وقيل إنه كان شجاعًا، فأصابه علة، فحدث ذلك به؛ واستبعد ذلك فإن العرب لم تعيره به، وكان يهاجهم بلسانه فيهم أشد من النبل.
وقد يجاب بأنه لما كان ينافح عن الشارع عصمه الله تعالى عن ذلك ببركته، عاش مائة وعشرين سنة، وكذا آباؤه الثلاثة، ولا يعرف لغيره من العرب مثله كما قاله أبو نعيم.
وقيل مات حسان سنة خمسين. ولحسان ولد اسمه عبد الرحمن، وكان إذا ذكر ما عاشه سلفه استلقى على فراشه وضحك وتمدد، وتوهم أنه يعيش كذلك، فمات وهو ابن ثمان وأربعين سنة، ولا يعرف خمسة من الشعراء على نسق واحد، شاعر بن شاعر بن شاعر إلا هؤلاء.
أما من عاش مائة وعشرين، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام [1] ، فذكر ابن الصلاح مع حسان حكيم بن حزام على إشكال فيه، ولم يذكر غيرهما.
قال ابن الملقن ذكرت في كتابي (( المقنع في علوم الحديث ) )ثمانية أنفس أخر. أما من عاش مائة وعشرين مطلقًا فجماعة أخر أفردهم ابن منده في جزء.
أقول قال شيخنا زين الدين العراقي أربعة من الصحابة وآخرون اشتركوا معهما في هذا الوصف حويطب بن عبد العزى القرشي من مسلمة الفتح عاش ستين سنة في الإسلام وستين في الجاهلية مات سنة أربع وخمسين.
وسعيد بن يربوع القرشي مات سنة أربع وخمسين.
ومخرمة بن نوفل القرشي والد المسور من مسلمة الفتح أيضًا عاش مائة وعشرين سنة وتوفي سنة أربع وخمسين.
وحمنن بن عوف القرشي الزهري أخو عبد الرحمن بن عوف عاش أيضًا ستين سنة في الإسلام وستين في الجاهلية وفي الصحابة جماعة آخرون عاشوا مائة وعشرين سنة لكن لم يطلع على كون نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام وثلاثة ذكرهم أبو اليقظان أسد بن ربيعة، وأوس بن مغراء والنابغة الجعدي، والثلاثة من المحضرمين وهم شعراء وذكر عبد الغني في الكمال عن ابن سعد بن نوفل بن معاوية عاش مائة وعشرين ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وذكر ابن تميمة عن الحلاج و ... خالد الضحاك أنه عاش مائة وعشرين خمسين في الجاهلية وستين في الإسلام [2] .
وكان لحسان لسان طويل يضرب به أذنه، مات في خلافة معاوية، بعد أن عمر سنة خمس أو أربع وخمسين، وقيل خمسين، وقيل توفي قبل الأربعين في خلافة علي.
وليس في الباب ما ترجم له (خ) أنه أنشد في المسجد، ونغم فيه في باب بدء الخلق من حديث سعيد مر عمر بن الخطاب في المسجد، وحسان ينشد فلحظ إليه، فقال كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة .. الحديث.
والحديث ظاهر في جواز إنشاد الشعر فيه، وقد اختلف في ذلك فأجازته طائفة إذا كان الشعر فيما لا بأس بروايته، وخالفهم آخرون فكرهوا إنشاده فيه.
واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تناشد الشعر في المساجد. أخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه ) ).
وأجاب الأولون بالطعن في هذا الحديث ونحوه، وحديث الباب هنا، ص 787 وفي بدء الخلق دال لهم إذ كان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكره أحد منهم، وقد روى الترمذي مصححًا من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار.
ويحمل النهي عن تسليم الصحة على ما كان فيه السخف والباطل، وهذا أولى من تأويل أبي عبد الملك أن ذلك كان في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله.
و (( روح القدس ) )جبريل، و (( القدس ) )فيه أقوال
أحدها أنه الله تعالى قاله كعب، أي أنه روح الله.
والثاني البركة.
والثالث الطهارة، فكأنه روح الطهارة وخالصها، وسمي روحًا؛ لأنه يأتي بالبيان عن الله فتحيا به الأرواح.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( حسان ) )هو منصرف وغير منصرف بالنظر إلى أنه من الحسن أو الحس، قوله (( أنشدك ) )بضم الشين. الجوهري نشدت فلانًا أنشده نشدًا إذا قلت له نشدتك الله؛ أي ما سألتك بالله كأنك ذكرته إياه فنشد؛ أي تذكر. قوله (( أجب عن رسول الله ) ).
فإن قلت المراد أجب الكفار عن جهة رسول الله فكيف دلالته عليه إذ ظاهر استعمال أجابه وأجاب عن سؤاله عنى بسؤاله غير ذلك.
قلت ضمن معنى الدفع؛ أي أجب دفعًا عن رسول الله أو لفظ الجهة مقدر.
فإن قلت أهو لفظ رسول الله أم لا. قلت يحتمل أن يكون حسان نقل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى، وكان أصله أجب عني فعبر حسان عنه بلفظ رسول الله تعظيمًا له.
وأن يكون نقل لفظه بعينه، وقاله رسول الله بتلك العبارة تربية للمهابة وتقوية لداعي الأمور كما قال تعالى {فإذا عزمت فتوكل على الله} وكما يقول الخليفة أمير المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم.
قوله (( أيده ) )التأييد هو التقوية (( وبروح القدس ) )أي بجبريل عليه السلام، و (( القدس ) )بضم الدال وسكونها اسمًا ومصدرًا هو الطهر.
قال ابن بطال فإن قيل ليس في حديث هذا الباب أن حسانًا أنشد شعرًا في المسجد، قلنا ذكره (خ) في باب بدء الخلق وبه يتم معنى الترجمة.
قال العلماء وينبغي أن لا يبدأ المشركون بالسب والهجاء مخافة من سبهم الإسلام وأهله. قال تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله} الآية.
وأقول ويدل على لفظ أحب.
فإن قلت الشهادة لا يثبت بها شيء إذا كانت دون النصاب، فكيف ثبت غرض حسان بشهادة أبي هريرة فقط.
قلت هذه رواية حكم شرعي ويكفي فيها خبر عدل واحد، وإطلاق الشهادة عليها على سبيل التجوز والمراد بالشهادة معناها اللغوي.
[1] في هامش المخطوط (( وستين في الإسلام خلا حكيم بن حزام ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول وكل هؤلاء في كونهم عاشوا ستين في الجاهلية وستين في الإسلام نظر خلا حكيم بن حزام ) ).