لو أخرج هذا الباب إلى ما بعد الباب الذي يليه، وهو باب قوله عليه السلام (( رب مبلغ ) )لكان أولى؛ لأن فيه معنى التحمل عن غير العارف وغير الفقيه.
قوله (( إذ أقبل ثلاثة نفر ) )الحديث، هذا الحديث أخرجه (خ) هنا وفي الصلاة في باب الحلق والجلوس، وأخرجه (م) في الأدب عن قتيبة.
وأبو واقد هو بالقاف مشهور بكنيته، في اسمه أقوال أصحها الحارث بن عوف قاله الكلبي، وصححه أبو عمر، وثانيها عكسه.
ثالثها الحارث بن مالك قاله الواقدي.
قال أبو عمر عن ص 296 بعضهم شهد بدرًا، ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق فيهم، وذكر بعضهم أنه كان قديم الإسلام.
وقال غيره أسلم يوم الفتح، وأخبر عن نفسه أنه شهد حنينًا، قال وكنت حديث عهد بكفر، وهذا يدل على تأخر إسلامه، وشهد اليرموك، ثم جاور بمكة سنة ومات بها ودفن بمقبرة المهاجرين.
له أربعة وعشرون حديثًا اتفقا منها على هذا الحديث، وليس له في (( صحيح خ ) )غيره، وانفرد (م) بحديث آخر، وهو ما كان يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم في الأضحى.
وقيل إنه ولد في العام الذي ولد فيه ابن عباس، وفي هذا وشهوده نظر كما قاله الحافظ عبد الغني، مات سنة ثمان وستين عن خمس وسبعين سنة.
فائدة
في الصحابة من يكنى بهذه الكنية ثلاثة هذا أحدهم، ثانيهم أبو واقد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثالثهم أبو واقد النميري.
والراوي عنه أبو مرة واسمه يزيد سبق ذكره.
والراوي عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري ابن أخي أنس لأمه.
كان يسكن دار جده بالمدينة، وهو تابعي سمع أباه وعمه أنس بن مالك وغيرهما، وثقته متفق عليها، وهو أشهر إخوته وأكثرهم حديثًا وهم عبد الله، ويعقوب، وإسماعيل، وعمر، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
والراوي عنه إسماعيل وقد سلف.
والنفر بفتح الفاء عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة قاله الجوهري.
و (( الفرجة ) )بضم الفاء وفتحها لغتان الخلل بين شيئين، واقتصر الجوهري وغيره على الضم. وقد فرج له في الصف والحلقة ونحوهما بالتخفيف، يفرج بضم الراء وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فهي بفتح الفاء، وحكى الأزهري وغيره تثليثها.
والحلقة بإسكان اللام على المشهور، وحكي فتحها، قوله (( فآوى إلى الله ) )مقصور، قوله (( فآواه الله ) )ممدود هكذا الرواية، وبه جاء القرآن القصر في اللازم والمد في المتعدي، وحكى بعضهم فيهما اللغتين القصر والمد، والمشهور الفرق.
قوله (( فآوى إلى الله، فآواه الله ) )هو من باب المقابلة، وكذا (( فاستحيا فاستحيا الله منه ) )، وكذا (( فأعرض، فأعرض الله ) )كله من باب المقابلة والمماثلة في اللفظ، ومثله في القرآن {ومكروا ومكر الله} [آل عمران54] والمعنى جازاهم على أفعالهم، فسمى مجازاتهم بمثل أسماء أفعالهم استعارة ومجازًا.
ومعنى (( آوى إلى الله ) )لجأ إليه، قال القاضي وعندي أن معناه دخل مجلس ذكر الله. و (( آواه الله ) )أي قربه وقبله، أو آواه إلى جنته.
قوله (( فاستحيا ) )أي ترك المزاحمة والتخطي حياءً من الله ورسوله والحاضرين، أو استحياءً منهم أن يعرض ذاهبًا فاستحيا الله منه، أي رحمه ولم يعاقبه، قوله (( فأعرض الله عنه ) )أي لم يرحمه وسخط عليه، وحمله بعضهم على من ذهب معرضًا لا لعذر، فمن أعرض عن نبيه صلى الله عليه وسلم وزهد فيه فليس بمؤمن، وإن كان هذا مؤمنًا وذهب لحاجة دنيوية أو ضرورية فإعراض الله عنه ترك رحمته ص 297 وعفوه، فلا تثبت له حسنة ولا تمحو عنه سيئة، نبه على ذلك القاضي.
وفيه حلق العلم والذكر في المسجد، واستحباب القرب من الكبير في الحلقة ليسمع كلامه، واستحباب الثناء على من فعل جميلًا، وأن الإنسان إذا فعل قبيحًا أو مذمومًا وباح به جاز أن ينسب إليه.
وفيه أن من جلس إلى حلقة فيها علم أو ذكر فهو في كنف الله وإيوائه، وهو ممن تضع له الملائكة أجنحتها. وأن العالم يؤوي المتعلم؛ لقوله (( فآواه الله ) )وأن من قصد المعلم ومجالسته فاستحيا من قصده، ولم يمنعه الحياء من التعلم ومجالسة العلماء، أن الله يستحي منه ولا يعذبه جزاءً باستحيائه.
فالحياء المذموم في الفعل هو الذي يبعث على ترك التعلم. وفيه أن من قصد العلم ومجالسه ثم أعرض عنها فإن الله يعرض عنه، ومن أعرض عنه فقد تعرض لسخطه، ألا ترى قوله تعالى {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} [الأعراف175] ، وهذا انسلخ من إيواء الله بإعراضه عنه.
وفيه سد الفرج في حلق الذكر، وقد جاء في سدها في صفوف الصلاة وفي الصفوف في سبيل الله، وفيه أن التزاحم بين يدي العالم أفضل من أعمال البر.
وفيه أن من حسن الأدب أن يجلس المرء حيث انتهى مجلسه ولا يقيم أحدًا، وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه ابتداء العالم جلساءه بالعلم، قبل أن يسئل عنه. وفيه مدح الحياء والثناء على صاحبه.
وفيه ذم من زهد في العلم؛ لأنه لا يحرم أحد عن حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه خير.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( فرجة ) )بضم الفاء فعلة بمعنى المفعول كالقبضة بمعنى المقبوض، وإ، ما قال في الحلقة ولم يقل في المجلس ليطابق ما في الباب من ذكر الحلقة.
فإن قلت فلم قال أولًا بلفظ المجلس. قلت للإشعار بأن حكمهما فيما نحن فيه واحد.
قوله (( أبي واقد ) )بالقاف المكسورة وبالمهملة، اسمه الحارث روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أربعة وعشرين حديثًا ذكر (خ) منه هذا الحديث. قال المقدسي في الكمال روى له الجماعة إلا (خ) وهذا سهو منه.
قوله (( بينما هو جالس ) )فإن قلت تقدم أن بينما أصله بين زيدت فيه لفظة ما وهو من الظروف التي لزمت إضافتها إلي الجملة فما تلك الجملة هنا. قلت جالس خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو جالس فهذه هي الجملة، وجاء في بعض الروايات مصرحًا به والعامل هنا في بين معنى المفاجأة المستفادة من لفظ إذ أقبل.
قوله (( ثلاثة نفر ) )الجوهري النفر بالتحريك عدة رجال من الثلاثة إلى العشرة. فإن قلت فعلى هذا التقدير أقل ما يفهم منها ههنا تسعة رجال؛ لأن أقل النفر ثلاثة لكنه ليس كذلك إذ لم يكن المقبلون إلا رجالًا ثلاثة. قلت معناه ثلاثة هي نفر كأن النفر هو بيان للثلاثة، والمراد من النفر معناه العرفي إذ هو بحسب العرف يطلق على الرجل فكأنه قال ثلاثة رجال.
فإن قلت مميز الثلاثة لا بد أن يكون جمعًا والنفر ليس بجمع. قلت النفر اسم جمع واسم الجمع في وقوعه تمييزًا كالجمع نحو قوله تعالى {تسعة رهط} .
(( الكشاف ) )إنما جاز تمييز التسعة بالرهط؛ لأنه في معنى الجماعة فكأنه قيل تسعة أنفس، والفرق بين الرهط والنفر أن الرهط ص 298 من الثلاثة إلى العشرة أم من السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة ولا يخفى مخالفته لما في الصحاح.
قوله (( فأقبل اثنان ) )فإن قلت قال أولًا أقبل ثلاثة ثم قال فأقبل اثنان، والحال لا يخلو من أن يكون المقبل اثنين أو ثلاثة فما معناه. قلت المراد من الإقبال أولًا الإقبال إلى المجلس أو إلى جهتهم، وثانيًا الإقبال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل من تلك الثلاثة اثنان.
قوله (( وأما الثالث فأدبر ذاهبًا ) )فإن قلت فهل هذا مكرر لما قال متقدمًا وذهب واحد. قلت علم من ذكره أولًا أنه لم يقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذكره ثانيًا أنه أدبر مستمرًا في ذهابه ولم يرجع.
قوله (( ولما فرغ ) )رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عما كان مشتغلًا به من الخطبة أو تعليم العلم أو الذكر ونحوه.
قوله (( ألا أخبركم ) )ألا حرف التنبيه سواء فيه ما كان المخاطب به مفردًا أو مثنى أو جمعًا، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام ولا للنفي وفي الكلام طي كأنهم قالوا أخبرنا فقال (( أما أحدهم ) ).
قوله (( فآوى إلى الله ) )آوى بالهمزة المقصورة (( وفآواه الله ) )بالممدودة وبالمقصورة.
الجوهري آوى فلان إلى منزله يأوي أويًا على فعول وآويته إيواء، وأويته إذا أنزلته بك فعلت إذا فعلت بمعنى، واعلم أن الإيواء وهو الإنزال عندك لا يتصور في حق الله تعالى وكذلك الاستحياء؛ لأنه تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يذم به وكذا الإعراض؛ لأنه التفات إلى جهة أخرى فهن مجازاة من [لوازمها] كإزادة إيصال الخير اللازمة للإيواء وترك العقاب للاستحياء والإذلال للإعراض ونحو ذلك، والقاعدة الكلية في أمثال هذه الإطلاق التي لا يمكن حملها على ظواهرها أن يراد بها غاياتها ولوازمها.
فإن قلت ما العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. قلت اللزوم.
فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت العقل إذ لا يتصور عقلًا صدورها عن الله تعالى.
فإن قلت ما الفائدة في العدول عن الحقيقة إليه. قلت فوائد كثيرة كبيان الشيء بطريق عقلي وزيادة توضيح وكتحسين اللفظ.
فإن قلت هذا من أي نوع من المجاز. قلت من باب المشاكلة.
فإن قلت هذه الأفعال الثلاثة أخبار أو دعاء. قلت جاز اعتبار الأمرين لكن الأول أظهر، ويحتمل أن يكون أيضًا من باب التشبيه؛ أي يفعل الله كما يفعل المؤوي والمستحي والمعرض.
(( الكشاف ) )فإن قلت كيف جاز وصف القديم بالاستحياء، قلت هو جاز على سبيل التمثيل تركه بترك من يترك شيئًا حياء منه.
فإن قلت ما وجه مناسبة هذا الباب بكتاب العلم. قلت من جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم.
وفي الحديث أن السنة الجلوس على وضع الحلقة، وللداخل أن يجلس حيث ينتهي إليه المجلس، وأن لا يزاحم الجلاس إن لم يجد فرجة وأن الإعراض عن مجلس العلم مذموم، وهذا محمول على من ذهب معرضًا لا لعذر وضرورة. ولفظ الآخر زعم بعضهم أنه لا يستعمل إلا في الأخير خاصة، والحديث صريح في الرد عليه ص 299 حيث استعمل فيه وفي الثاني أيضًا وهو في الوسط.