سلف حديثه المعلق والمسند، والتعليق علقه عن شيخه أبي معمر عبد الله وصله أبو نعيم في (( مستخرجه ) )، ووصله أيضًا ابن خزيمة في (( صحيحه ) )، ووصله الإسماعيلي أيضًا.
قوله (( تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل ) )، أسنده في باب الاغتسال عند دخول مكة، كما سيأتي.
وأما حديثه الثاني المسند فليس فيه استقبال القبلة عند الإهلال، نعم هو في الأول، وإنما استقبلها لاستقبال دعوة إبراهيم بمكة، فلذلك يلبي الداعي أبدًا بعد أن يستقبل بالوجه؛ لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره من يدعوه ثم يلبيه، بل يستقبله بالتلبية من موضعه الذي دعا منه، ويلبيه إذا ركب راحلته أراد به إجابة {وعلى كل ضامر} [الحج27] .
قوله (( فرحلت ) )هو مخفف؛ لأنه ثلاثي.
قوله (( ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ) )معلوم من مذهبه أنه كان لا يلبي في طوافه، وقد كرهها مالك فيه، كذا نقله عن ابن عمر ابن بطال، وفيه نظر يأتي، وسيأتي من أجازه ومن كرهه في باب الاغتسال عند دخول مكة إن شاء الله وإنما كان يدهن بغير الطيب؛ ليمنع بذلك القمل والذباب.
قوله (( كان ابن عمر إذا صلى الغداة ) )يعني الصبح (( بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبي ) )قال الداودي يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير؛ أي يأمر بها ثم يصلي، ثم يركب، وإن كان هذا محفوظًا فلقرب ذلك من الصلاة، وقوله (( قائمًا ) )يعني إذا وقفت به راحلته.
ومبيت ابن عمر بذي طوى للاتباع، وهو ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضًا.
قال البكري واد بمكة، وعند السهيلي في أسفلها.
وذو طواء ممدود موضع بطريق الطائف، وقيل واد. ودخول مكة نهارًا أفضل، وقيل الليل والنهار سواء، فقد دخلها عليه السلام في عمرة الجعرانة ليلًا، وهو المذكور في (( الهداية ) ).
وهذا الغسل لدخول مكة سنة، فإن عجز عنه يتيمم ص 1577 يستوي فيه الحائض، والنفساء والصبي، وقد أسلفنا كلام ابن حزم فيه.
قال صاحب (( الاستذكار ) )ولا أعلم أحدًا من المتقدمين أوجبه يعني الغسل للإحرام إلا الحسن، وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول أهل الظاهر، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه، وهو سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه ولا يرخصون في تركه إلا من عذر. وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي يجزئه الوضوء، وهو قول إبراهيم، وهذا أول أغسال الحج بعد الإحرام، وبعده الوقوف بعرفة ومزدلفة غداة النحر وأيام التشريق للرمي، واستحبه الشافعي في القديم في الطواف.
قوله (( حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك حتى إذا جاء ذي طوى بات به ) )أي يتابع إهلاله في أكثر أوقاته إلى أن يبلغه.
قوله (( ثم يمسك ) )قال ابن التين لعل معناه أنه يحرم بعمرة؛ لأن الحاج لا يمسك حينئذ، وروي عن مالك يمسك حينئذ.
قوله (( ادهن بدهن، ثم رفعه إلى رسول الله ) )قال ابن التين يحتمل أن يعيد ذلك للاستواء على الراحلة أو يكون أراد أنه تطيب، ولم يعن بما لا رائحة له؛ لأن عائشة طيبته لإهلاله بأطيب الطيب المسك، ويحتمل أن يكون عليه السلام فعل ذلك بعد أن تطيب بالمسك، فلم يره ابن عمر حين تطيب به.
قال (ت) في (( علله ) )سألت محمدًا عن أبي إسحاق قال سألت ابن عكرمة وأنا أسمع عن الإهلال متى يقطع؟ فقال (( أهل النبي صلى الله عليه وسلم حتى رمى الجمرة ) )، وأبو بكر، وعمر، وعثمان.
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، إلا أن أبا حنيفة، والشافعي قالا يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجمرة، وقال ابن حزم بل مع آخر حصاة منها، وقال قوم منهم مالك إن الحاج يقطعها إذا طاف، وبالصفا والمروة، وإذا أتم ذلك عاودهما، وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يقطع، وقال قوم يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم، وقال آخرون لا يقطعها حتى يرى بيوت مكة، وقالت طائفة حتى يدخل بيوتها، وقال أبو حنيفة لا يقطعها حتى يستلم الحجر، وقال الشافعي لا يقطع حتى يفسخ الطواف، وقال مالك من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم.
فائدة اختلف في إهلاله صلى الله عليه وسلم هل كان مطلقًا أو معينًا؟ وهل كان إفرادًا، أو قرانًا، أو تمتعًا؟ [1]
فروى الشافعي من حديث طاوس الأول، وأنه كان ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، ومن حديث جابر قال ما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلبيته حجًا ولا عمرة.
وقال في (( مختلف الحديث ) )إنه الأشبه أن يكون محفوظًا.
وقال الطبري إن جملة الحال أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال (( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة ) )، ولا كان مفردًا؛ لأن الهدي كان معه واجبًا كما قال، وذلك لا يكون إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قد قرنهما جميعًا، فكان من زاد أولى. ووجه الاختلاف أنه عليه السلام لما كان عند الإحرام جعل يلبي تارة بالحج، وتارة بالعمرة، وتارة بهما.
وقال ابن حزم صح عن عائشة وحفصة أنه عليه السلام كان قارنًا.
ورجح أصحابنا الإفراد بأن رواته أكثر، ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع والقران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما.
وقال الخطابي يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول لبيك بحج فحكى أنه أفرد، وخفي عليه قوله (( وعمرة ) )فلم يحك إلا ما سمع ولا منافاة، ويحتمل أن يكون سمعه على سبيل التعليم لغيره، وأما من روى التمتع فأثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وما رواه أنس من القران إلا أنه أفاد إيقاعهما في زمانين، وهو ما روته حفصة.
ويحتمل ص 1578 أن يكون معنى قوله (( لأهللت بعمرة ) )أي لتفردت بها يطيب به نفوس من تمتع، فتكون دلالته حينئذ على معنى الجواز، لا على معنى الاختيار.
[1] في هامش المخطوط (( قال السهيلي في (( الروض ) )قال شيخنا أبو بكر رحمه الله تعالى إنما ندم على ترك ما هو أسهل، وأرفق، لا على ترك ما هو أفضل، وأوفق، وذلك لما رأى من كراهة أصحابه لمخالفته، ولم يكن ساق الهدي معه من أصحابه إلا طلحة بن عبيد الله، فلم يحل حتى نحر، وعلي أيضًا أتى من اليمن وساق الهدي فلم يحل إلا حلال رسول الله صلى الله عليه وسلم.