وقال عبدان أنا عبد الله ... إلى آخره.
ثم ذكر حديث ابن عباس سقيت رسول الله من زمزم، الحديث.
أما الحديث المعلق فقد أسنده في أوائل الصلاة مطولًا بذكر حديث المعراج، وأما حديث ابن عباس، فأخرجه (م) أيضًا.
ومقصود (خ) بالحديث الأول قوله (( ثم غسله بماء زمزم ) )، وقد سلف الكلام عليه في أول الصلاة، وجاء في فضل مائها عدة أحاديث ليست على شرطه، وبعضها على شرط (م) ، وصحح جماعة (( ماء زمزم لما شرب له ) )، ويكفي أن سفيان بن عيينة سئل عنه فقال حديث صحيح. كما أخرجه عنه الدينوري في (( المجالسة ) )، وابن الجوزي في (( الأذكياء ) )، وقد شربه العلماء لمقاصد ص 1645 كالشافعي، والخطيب البغدادي وغيرهما نالوها والحمد لله.
وفي (م) (( إنها طعام طعم ) )، زاد الطيالسي (( وشفاء سقم ) )، وفي الدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعًا (( وهي هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل ) )، ولابن ماجه بإسناد جيد أن ابن عباس قال لرجل إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله عز وجل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم ) )، وللدارقطني كان عبد الله إذا شرب منها قال اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء.
وفي (( شرف المصطفى ) ) (( المصنف الكبير ) )عن أم أيمن قالت ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم شكى جوعًا قط، ولا عطشًا، كان يغدو إذا أصبح، فيشرب من ماء زمزم شربة، وربما عرضنا عليه الطعام فيقول (( لا أنا شبعان ) ).
وعن عقيل بن أبي طالب قال كنا إذا أصبحنا وليس عندنا طعام، قال لنا أبي ائتوا زمزم، فنأتيها، فنشرب منها فنجتزئ.
وروى ابن إسحاق، عن علي قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال احفر طيبة، قلت وما طيبة؟ ثم ذهب عني، فلما كان الغد نمت فيه، فجاءني فقال احفر برة، قلت وما برة؟ قال ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال احفر زمزم، قال قلت وما زمزم؟ قال لا تنزف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.
وذكر الزمخشري في (( ربيعه ) )أن جبريل أنبط بئر زمزم مرتين مرة لآدم حين انقطعت زمن الطوفان، ومرة لإسماعيل.
قال السهيلي كان الحارث بن مضاد الجرهمي لما أخرج من مكة عفي أثرها، فلم تزل داره إلى أيام عبد المطلب، وسميت طيبة؛ لأنها للطيبين والطيبات.
وفي إنباط جبريل إياها بعقبه دون يده إشارة إلى أنها لعقبه وراثة.
وسميت برة؛ لأنها فاضت للأبرار عن الأشرار، والمضنونة، لأنها ضن بها على غير المؤمنين، فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب بن منبه.
وقوله عند نقرة الغراب، الغراب عند أهل التعبير فاسق وهو أسود، فدلت نقرته عند الكعبة على نقرة الأسود الحبشي بمعوله يهدمها حجرًا حجرًا، ونعته بذي السويقتين، كما نعت الغراب بصفة في ساقيه.
وكونها عند الفرث والدم؛ لأن ماءها طعام طعم وشفاء سقم، ولما شرب له، فهو كاللبن الخارج من بين فرث ودم خالصًا سائغًا لشرابه.
وكونها عند قرية النمل؛ لأنها عين مكة التي يردها الحاج من كل جانب، فيحملون إليها البر والشعير وغير ذلك، وهي لا تحرث ولا تزرع، وكذلك قرية النمل تجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب.
وسميت زمزم لما ذكره الكلبي في (( بلاده ) )عن الشرقي؛ لأن بابل بن ساسان حيث سار إلى اليمن دفن سيوفًا للكعبة وحلي الزمازمة في موضع بئر زمزم، فلما احتفرها عبد المطلب أصاب السيوف والحلي، فيه سميت بذلك زمزم.
وفي (( الاشتقاق ) )للنحاس، عن أبي زيد الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم.
وقال ابن عباس سميت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب؛ لئلا يأخذ الماء يمينًا وشمالًا، ولو تركت ص 1646 لساحت على وجه الأرض حتى تملأ كل شيء.
وعن هشام الزمزمة عند العرب الكثرة والاجتماع. وذكر المسعودي أن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول، والزمزمة صوت يخرجه الفرس من خياشيمها.
وقال الحربي سميت بزمزمة الماء، وهي حركته.
وفي (( كتاب أبي عبيد ) )قال بعضهم إنها مشتقة من قولهم ماء زمزوم وزمزام كثير.
قال البكري في (( معجمه ) )وهو بفتح الأول وسكون الثاني وفتح الزاي الثانية، ويقال بضم الأولى، وفتح الثاني مخففًا ومشددًا وكسر الزاي الثانية، فهذه ثلاثة أوجه.
وقال الأزهري في (( تهذيبه ) )، عن ابن الأعرابي زمزم، وزمم، وزمزم.
قلت ولها أسماء أخر كركضة جبريل، وهزمة الملك، والشباعة، وحكى الزمخشري ضم الشين، وهزمة الملك بتقديم الميم وتأخيرها بعد الزاي، وتكتم، ذكره صاعد في (( الفصوص ) )وغير ذلك.
ومقصود (خ) أن شرب ماء زمزم من سنن الحج، لفضله وبركته، وقد نص أصحابنا على شربه، وروى ابن جرير، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يشرب منها في الحج، ولعله لئلا يظن أن شربه من الفرض اللازم، وقد فعله أولًا.
قوله (( فرج سقفي وأنا بمكة ) )وفي رواية أخرى (( في المسجد الحرام ) )ومحل الخوض فيه الإسراء، وقد سلف.
فرع يكره أن يستعمل ماء زمزم في نجاسة، وقال الماوردي يحرم الاستنجاء به، وفي غسل الميت به قولان عند المالكية، قال ابن شعبان منهم لا يستعمل في مرحاض، ولا يخلط بنجس، ولا يزال به نجس، ويتوضأ به، ويتطهر من ليس بأعضائه نجس، ولا يغسل به ميت بناء على أصله في نجاسة الميت ولا يقرب ماء زمزم بنجاسة، ولا يستنجى به، وذكر أن بعض الناس استعمله في بعض ذلك فحصل له الباسور.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( زمزم ) )بفتح الزايين وسكون الميم، هي بئر المسجد الحرام بينها وبين الكعبة قريب أربعين ذراعًا وسميت به لكثرة مائها، يقال ماء زمزم إذا كان كثيرًا وقيل لضم هاجر لمائها حين انفجرت وزمها إياها، وقيل لزمة [1] جبريل وكلامه وسيجيء في كتاب الأنبياء أن الملك بحث موضع زمزم بعقبه أو بجناحه حتى ظهر الماء.
قوله (( سقفي ) )أي سقف بيتي، ومر الحديث أول كتاب الصلاة.
قوله (( قائم ) )فيه الرخصة في الشرب قائمًا.
وفيه أن الشرب من زمزم من غير قيام يشق لارتفاع ما عليها من الحائط.
و (( ما كان ) )أي رسول الله.
الزركشي
(( فجاء بطست ) )بفتح الطاء وكسرها.
(( ممتلئ ) )بالجر صفة له.
(( حكمةً وإيمانًا ) )منصوبان على التمييز.
[1] لعل الصواب زمزمة.