فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 3844

عن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطًا وسعد جالس الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) في الزكاة أيضًا وأخرجه (م) هنا والزكاة.

سعد بن أبي وقاص هو أبو إسحاق بن أبي وقاص، مالك بن وهيب، ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى.

أمه حمنة بنت سفيان أخي حرب وإخوته، بني أمية بن عبد شمس، أسلم قديمًا وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أربعة، وقيل بعد ستة.

وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وكان مجاب الدعوة؛ لدعائه عليه السلام له بذلك، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان ص 166 يقال له فارس الإسلام، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى المدينة قبل قدومه عليه السلام إليها.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا حديث، وسبعون حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بثمانية عشرة.

أقول قال أبو عمر في (( الاستيعاب ) )وذكر ترجمته وقال كان مجاب الدعوة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( اللهم سدد سهمه وأجب دعوته ) )وهو أول من رمي بسهم في سبيل الله وذلك في سرية عبيدة بن الحرث، وجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم له وللزبير أيضًا أبويه فقال لكل واحد منهما فيما روى عنه (( ارم فداك أبي وأمي ) )ولم يقل ذلك لأحد غيرهما.

قال ابن الملقن وروى جابر بن عبد الله قال أقبل سعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقال (( هذا خالي فليرني كل امرؤ خاله ) )، وسببه أن أمه عليه السلام آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وسعد هو ابن مالك بن وهيب أخي وهب ابني عبد مناف.

روى له جمع من الصحابة ابن عمر وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين أولاده الخمسة محمد وإبراهيم وعامر ومصعب وعائشة، وخلائق. وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر، وولاه عمر العراق، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن، ومات بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال إليها، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين أو إحدى أو ست أو سبع أو ثمان، عن ثلاث وسبعين سنة أو أربع أو عن نيف وثمانين.

قيل سنة اثنتين، وقيل ثلاث، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة، وصفته على ما قالت ابنته عائشة، أنه كان قصيرًا جدًا دحداحًا غليظًا ذا هامة شثن الأصابع أسمر يخضب بالسواد.

وروى ابن سعد عن سفيان، عن حكيم بن الديلمي أنه كان يسبح بالحصا.

في الصحابة من اسمه سعد فوق المائة. في هذا الإسناد لطيفتان

الأولى أنه جمع ثلاثة زهريين مدنيين.

الثانية أنه جمع تابعيين يروي بعضهم عن بعض، صالح وابن شهاب وعامر، وصالح أكبر من الزهري؛ لأنه أدرك ابن عمر فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، وهذه لطيفة ثالثة.

ومعنى قوله رواه يونس ... إلى آخره، أن هؤلاء الأربعة تابعوا شعيبًا في رواية هذا الحديث عن الزهري فيزداد قوة بكثرة طرقه، وفي هذا وشبهه من قول الترمذي وفي الباب عن فلان وفلان فوائد هذه إحداها.

وثانيها أن تعلم رواته؛ ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما.

وليعرف أن هؤلاء المذكورين رووه، فقد يتوهم من لا خبرة له أنه لم يروه غير ذلك المذكور في الإسناد، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره فتوهمه غلطًا، وزعم أن الحديث إنما هو من جهة فلان. فإذا قيل في الباب عن فلان وفلان زال الوهم المذكور. وهذا الرجل لم أقف على اسمه [1] فليتتبع.

قوله (( أعطى رهطًا ) )أي جماعة، و ص 167 أصل الرهط الجماعة دون العشرة، قال أبو زيد الرهط ما دون العشرة من الرجال.

وقال صاحب (( العين ) )الرهط عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعضهم يقول من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى نفر، وتخفيف الرهط أحسن، تقول هؤلاء رهطك، وأرهطك، وهم رجال عشيرتك. وعن ثعلب الرهط الأب الأدنى.

وعن النضر جاءنا أرهوط منهم مثل أركوب، والجمع أراهط، وأراهيط.

وفي (( المحكم ) )لا واحد له من لفظه، وقد يكون الرهط من العشرة، وفي (( الجامع ) (( الجمهرة ) )الرهط من القوم وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وربما جاوز ذلك قليلًا ورهط الرجل بنو أبيه، ويجمع على أرهط، ويجمع الجمع على أراهط. وفي (( الصحاح ) )رهط الرجل قومه وقبيلته.

والرهط ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، والجمع أرهط وأرهاط كأنه جمع أراهط وأراهيط، وفي (( مجمع الغرائب ) )الرهط جماعة غير كثيري العدد.

قوله (( أعجبهم إلي ) )أي أفضلهم في اعتقادي.

قوله (( ما لك عن فلان؟ ) )أي (( أي سبب لعدولك عن فلان ) )؟ قال الجوهري عن ابن السراج، وفلان كناية عن اسم سمي به المحدث عنه، قال ويقال في غير الناس الفلان والفلانة بالألف واللام.

قوله (( فوالله إني لأراه مؤمنًا ) )هو بفتح الهمزة، قال النووي ولا يجوز ضمها على أن تجعل بمعنى أظنه لأنه قال ثم غلبني ما أعلم منه؛ ولأنه راجع النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، ولو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة.

والقرطبي قال الرواية بضم الهمزة بمعنى أظنه، وهو منه حلف على ما ظنه، ولم ينكر عليه، فهو دليل على جواز الحلف على الظن، وهو يمين اللغو، وهو قول مالك والجمهور.

قلت وهو عند الشافعي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصدها كلا والله، وبلى والله.

قوله (( أو مسلم ) )بإسكان الواو، وهي التي للتقسيم والتنويع، أو للشك والتنزيل، ومن فتحها أخطأ، ومعنى الإسكان أن لفظة الإسلام أولى أن نقولها؛ لأنها معلومة بحكم الظاهر [2] ، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله، وليس فيه إنكار كونه مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان.

وقد غلط من توهم كونه حكم بأنه غير مؤمن، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه، وهو قوله (( أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه ) )، وأغرب بعضهم فادعى أن قوله (( أو مسلمًا ) )أمر بأن لا يقطع بإيمانه بل يقولها؛ لأنه أحوط، وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس رفعه (( الإسلام علانية والإيمان في القلب ) )ثم يشير بيده إلى صدره، (( ههنا التقوى ) ).

قال ابن عدي حديث غير محفوظ.

قوله (( فعدت لمقالتي ) )قال أهل اللغة عاد لكذا، أي رجع إليه بعد ما كان أعرض عنه، والمقالة والمقال والقول والقولة بمعنًى.

قوله (( خشية أن يكبه الله ) )هو بفتح أول يكبه وضم الكاف، يقال أكب الرجل وكبه غيره، وهذا بناء غريب، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همزة فيعدى بها، وهنا عكسه، ومعنى كبه ألقاه، ويقال كبكبه بمعنى كبه.

وأكب الرجل إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل قلت كبه الله لوجهه وكببته أنا.

قال أبو المعالي في (( المنتهى ) )أكب الرجل، أي قلب لوجهه، وهو من النوادر، وأكب عليه إذا انحنى عليه. وقال ابن ص 168 سيده كب الشيء يكبه كبًا قلبه، وحكى ابن الأعرابي أكبه.

قال القاضي الرواية الصحيحة يكبه، بفتح أوله فعل ثلاثي من كب، ولم يأت في لسان العرب فعل ثلاثي يتعدى، وفعل رباعية لا يتعدى على نقيض المتعارف إلا كلمات قليلة، منها أكب الرجل، وكببته أنا.

ومثله أقشع الغيم، وقشعته الريح، وانسل ريش الطائر، وسللته أنا، وأنزفت البئر علا ماؤها، ونزفتها أنا، وأمرت الناقة در لبنها، ومريتها أنا، وأشنق البعير رفع رأسه، وشنقته أنا [3] .

والضمير في يكبه يعود إلى المعطى، أي أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره ونحوه إذا لم يعط، والتقدير أعطي من في إيمانه ضعف؛ لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض له اعتقاد يكفر به فيكبه الله في النار. وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه فيما لا يحصل له من الدنيا.

وفيه الشفاعة إلى ولاة الأمور فيما ليس بحرام.

وفيه مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مرارًا إذا لم يؤد إلى مفسدة.

وفيه الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه.

وفيه أن الإمام يصرف الأموال في المصالح الأهم فالأهم.

وفيه أن المشفوع إليه لا عتب عليه إذا رد الشفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، فإذا كان ولي أمر المسلمين، أو ناظر يتيم ونحوه لم يجز له قبول شفاعة تخالف مصلحة ما هو ولي أمره.

وفيه أن المشفوع إليه إذا رد الشفاعة، ينبغي أن يعتذر إلى الشافع ويبين له عذره في ردها.

وفيه أن المفضول ينبه الفاضل على ما يراه مصلحة لينظر فيه الفاضل.

وفيه أن المشار عليه يتأمل ما يشار به عليه فإذا لم تظهر مصلحة لا يعمل به.

وفيه أنه لا يقطع لأحد على التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه نص كالعشرة من الصحابة وأشباههم، بل يرجى للطائع ويخاف على العاصي، ويقطع في الجملة أن من مات على التوحيد دخل الجنة.

واستدل به جماعة على جواز قول المسلم أنا مؤمن مطلقًا في غير تقييد بقوله إن شاء الله، والمسألة فيها خلاف قد سبق أول كتاب الإيمان.

وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به اعتقاد بالقلب، خلافًا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم يكفي الإقرار، وهذا ظاهر الخطأ يرده إجماع الأمة والنصوص المتظافرة في إكفار المنافقين.

قال الإمام أبو بكر الباقلاني وغيره قوله تعالى {قالت الأعراب آمنا} [الحجرات14] حجة لأهل الحق في الرد على الكرامية وغلاة المرجئة، وقد أبطل الله تعالى مذهبهم في مواضع من كتابه، منها قوله تعالى {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} [المجادلة22] ، ولم يقل في ألسنتهم، ومن أقوى ما يبطل قولهم إجماع الأمة على تكفير المنافقين، وكانوا يظهرون الشهادتين.

والفرق بين الإيمان والإسلام، سلف في أول كتاب الإيمان، وسيأتي بحثه في حديث جبريل.

قال المهلب الإسلام على الحقيقة هو الإيمان ص 169 الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله غيره، ألا ترى قوله تعالى لقوم {قالوا آمنا} [البقرة14] ، أي بألسنتهم دون تصديق قلوبهم {قل لم تؤمنوا} وقال تعالى {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات14] .

وقال القاضي هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنًا إلا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدل عليه.

وكذا قال الخطابي هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإيمان والإسلام، فيقال له مسلم، أي مستسلم، ولا يقال له مؤمن، وهو معنى الحديث، قال تعالى {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} أي استسلمنا. وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمؤمن مسلم وللمسلم مؤمن.

وسبب نزول الآية {قالت الأعراب آمنا} ما ذكره الواحدي أن أعرابًا من أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طرق المدينة، وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك حين قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزلها الله تعالى.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب إذا لم يكن ) )إذا للظرفية المحضة؛ أي باب حين عدم كون الإسلام على الحقيقة فلفظة الباب مضافة إليها ويحتمل أن تكون متضمنة لمعنى الشرط والجزاء محذوف؛ أي نحو لا يعتد بها ولا ينجيه فيجوز في الباب غير الإضافة.

فإن قلت إذا للاستقبال فلم يقلب المضارع ماضيًا فكيف اجتماعهما. قلت إذا ههنا لمجرد الوقت ويحتمل أن يقال لم لنفي الكون المقلوب ماضيًا وإذا لاستقبال ذلك النفي.

قوله (( على الاستسلام ) )أي الانقياد الظاهر فقط والدخول في السلم. و (( أسلمنا ) )أي دخلنا في السلم وانقدنا وليس إسلامنا على الحقيقة وإلا لما صح نفي الإيمان منهم؛ لأن الإيمان والإسلام الشرعي واحد عند (خ) ، وكذا عند غيره لأن الإيمان شرط صحة الإسلام عندهم. الجوهري في الصحاح أسلم أي دخل في السلم وهو الاستسلام.

قوله (( على قوله ) )أي فهو وارد على مقتضى الآية أو الآيتين كما في بعض النسخ قوله (( سعد ) )هو أبو إسحاق بن أبي وقاص وذكر ترجمته إلى أن قال وحديثه في دعائه على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة أسامة بن معاذة وأجيبت دعوته فيه في ثلاثة أشياء مشهور في الصحيح وهو أول من رمى سهمًا في سبيل الله وأول من أراق دمًا في سبيل الله.

قال الزهري رمى سعد يوم أحد ألف سهم، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال له هذا خالي فليأت كل أحد بخاله توفي زمن معاوية بقصر العقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم ودفن بالبقيع سنة إحدى أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وخمسين وهو آخر العشرة موتًا، لما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة له من صوف، فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر، وإنما كنت أختبؤها لذلك. وفي الإسناد لطيفة وهي أنه جمع بين ثلاثة زهريين مدنيين.

قوله (( أعجبهم إلي ) )أي أفضلهم في اعتقادي.

فإن قلت السياق يقتضي أن يقال أعجبهم إليه حيث قال وسعد جالس ص 170 ولم يقل وأنا جالس. قلت هذا التفات من الغيبة إلى التكلم.

فإن قلت فهل في قوله وسعد جالس التفات حيث لم يقل وأنا. قلت فيه خلاف عند علماء المعاني من قال الانتقال من التكلم والخطاب والغيبة لابد أن يكون محققًا فلا التفات عنده فيه إذ لا نقل حقيقة، ومن قال الانتقال فيه أعم من أن يكون محققًا أو مقدرًا كما هو مذهب صاحب المفتاح، ففيه أيضًا التفات من التكلم الذي هو مقتضى المقام إلى الغيبة.

قوله (( مالك عن فلان ) )أي أي شيء حصل لك أعرضت عن فلان بأن لم تعطه، وفي (م) فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته فقلت مالك عن فلان.

قوله (( لأراه ) )النووي هو بفتح الهمزة وساق كلامه إلى آخره ثم قال وأقول يجوز الضم كما في بعض الروايات ويكون أعلم بمعنى أظن كما في قوله تعالى {فإن علمتموهن مؤمنات} يعني ظننتموهن والرجوع مرارًا لا يستلزم الجزم؛ لأن الظن يلزم متابعته اتفاقًا.

قوله (( أو مسلمًا ) )بسكون الواو، ومعناه أن لفظ الإسلام أولى أن تقولها لأنها معلومة بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله.

قال صاحب (( التحرير في شرح مسلم ) )هذا حكم على فلان بأنه غير مؤمن. قال النووي ليس فيه إنكار كونه مؤمنًا بل معناه النهي عن القطع بالإيمان لعدم موجب القطع وقد غلط من توهم كونه حكمًا بعدم الإيمان بل في الحديث إشارة إلى إيمانه وهو قوله (( لأعطى الرجل وغيره أحب إلي منه ) ).

وأقول فعلى هذا التقدير لا يكون الحديث دالًا على ما عقد له الباب وأيضًا لا يكون لرد الرسول صلى الله عليه وسلم على سعد فائدة ولئن سلمنا أن فيه إشارة إليه فذلك حصل بعد تكرار منعه إخباره بإيمانه وجاز أن ينكر أولًا ثم يسلم آخرًا لحصول أمر يفيد العلم به.

قوله (( وغيره ) )مبتدأ. و (( أحب ) )خبره والجملة حالية. و (( خشية ) )منصوب بأنه مفعول له لأعطى سواء فيه رواية التنوين مع تنكيره وتقريره ولفظه من أي خشية من أن يكبه الله، ورواية الإضافة مع تعريفه؛ لأنه مضاف إلى أن مع الفعل وأن مع الفعل معرفة ويجوز في المفعول لأجله التعريف والتنكير والمفعول الثاني من باب أعطيت محذوف والحذف إما للتعميم؛ أي أعطيه أي شيء كان أو يجعل المتعدي إلى اثنين كالمتعدي إلى واحد؛ أي وجد هذه الحقيقة بمعنى إعطاء الرجل والفائدة فيهما المبالغة.

قوله (( يكبه ) )بفتح أوله وضم الكاف؛ أي يلقيه منكوسًا وهذا من النوادر على عكس القاعدة المشهورة، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير الهمزة والمتعدي بالهمز فإن أكب لازم وكب متعد ونحو أحجم وحجم والضمير في يكبه للرجل؛ أي أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره إذا لم يعط إشارة إلى المؤلفة وأما من قوي إيمانه فهو أحب إلي فأكله إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا يلزم من هذا التقدير أن يكون ذلك الرجل هو قوي الإيمان لاحتمال أن يكون المراد منه غيره تعريضًا بنحو سعد نفسه.

فإن قلت هذا النوع من الكلام أهو مجاز أم كناية. قلت أكلت في النار لازم الكفر فأطلق اللازم وأراد الملزوم فهو كناية. فإن قلت لم لا يكون مجازًا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم إذ الملازمة في الكناية لابد أن تكون مساوية. وإن اعترضت بأن الكب قد يكون للمعصية ص 171 فلا يستلزم الكفر.

أجيب بأن المراد من الكب كب مخصوص لا يكون إلا للكافر وإلا فلا تصح الكناية أيضًا. قلت شرط المجاز امتناع اجتماع معنيي المجاز والحقيقة وههنا لا إجماع الكب والكفر فهو كناية لا غير.

[1] في هامش المخطوط اسمه جعيل بن سراقة، وفي مغازي الواقدي ما يدل على ذلك.

[2] في هامش المخطوط أقول الإشكال باق لأنه قوله وغيره أحب إليه صرح فيه بأنه هو من كان الأحب إلى رسول الله لا يكون إلا مؤمنًا وقوله مضى منه النهي عن القطع بالإيمان وقوله أحب إليه فيه القطع بالإيمان وفيه إشكال فتأمله.

[3] في هامش المخطوط إذا كففته بزمامه وأنت راكبه قاله الجوهري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت