فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 3844

فيه حديث عبد الله بن مسلمة (( إن بلالا يؤذن بليل ) )... الحديث.

هذا الحديث أخرجه (خ) في مواضع في باب شهادة الأعمى، وأخرجه (م) أيضًا.

قوله (( وكان رجلًا أعمى ) )هذا القائل ذكر البيهقي أنه من قول ابن شهاب.

وقال الخطيب في كتاب (( الفصل للوصل ) )جعلها بعضهم من قول ابن شهاب وآخر من قول سالم.

وصرح صاحب (( المغني ) )بأنه من قول ابن عمر.

ومعنى أصبحت أي دخلت في حكم الصباح، وإن كان يحتمل قاربت الصباح.

وفيه من الفقه ما ترجم له، وهو جواز أذان الأعمى، إذا كان له من يخبره، وأذانه صحيح عندنا.

وعند مالك وأبي حنيفة وأحمد، ونقل النووي عن أبي حنيفة وداود عدم الصحة، وهو غريب عن أبي حنيفة، نعم في (( المحيط ) )يكره، قال أصحابنا ولا كراهة في أذانه إذا كان معه بصير كابن أم مكتوم مع بلال، فإن لم يكن معه بصير كره خوف غلطه.

وممن كره أذانه ابن مسعود وابن الزبير. وابن عباس كره إقامته، وروي أن مؤذن النخعي كان أعمى.

وحمل البيهقي ما روي عن ابن مسعود على كراهة الانفراد، واستنبط منه البخاري والمهلب جواز شهادة الأعمى على الصوت؛ لأنه يميز صوت من علم الوقت ممن يثق به مقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له، ومنعه أبو حنيفة فيما حكاه ابن التين.

وفيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة. وجواز نسبة الرجل إلى أنه إذا كان معروفًا بذلك، واسمه عمرو أو عبد الله.

وفيه تكنية المرأة؛ لقوله عليه الصلاة السلام أم مكتوم، واسمها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم.

وفيه جواز تكرير اللفظ؛ للتأكيد؛ لقوله أصبحت أصبحت.

وفيه جواز الأذان قبل الفجر، وعندنا فيه أوجه، أصحها آخر الليل ونقل في (( المحلى ) )عن جماعة كراهة الأذان قبل الفجر، منهم الحسن وإبراهيم، ونافع، وسمع علقمة مؤذنا بليل فقال لقد خالف هذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لو نام على فراشه لكان خيرا له.

قال ابن حزم والأذان الذي كان في زمنه عليه الصلاة والسلام كان أذان سحور لا أذان صلاة، وعنده لا يجوز أن يؤذن لها، قبل المقدار الذي ورد ينزل هذا ويرقى هذا.

وأغرب القرطبي فنقل عن الجمهور أن أذان بلال هو أذان الفجر، وأن أبا حنيفة والثوري قالا إن فائدته التأهب، ولابد من أذان عند الفجر.

فرع لو أراد الاقتصار على أذان واحد للصبح فالأفضل ما بعده كما هو المعهود في سائر البلاد، ولو لم يوجد إلا واحد أذن مرتين، فإن اقتصر على واحد فقال الإمام يقتصر على ما بعده، وقال ابن الصباح على ما قبله.

فائدة حديث أنيسة السالف أخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة، وابن حبان على عكس حديث ابن عمر السالف، وهو أنه عليه السلام قال (( إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ص 900 بلال ) ).

وروى ابن خزيمة في (( صحيحه ) )من حديث عائشة مثلها قالت كان بلال لا يؤذن حتى يطلع الفجر.

ويجمع بينهما بأنه يجوز أن يكون بينهما نوب، وهذا أولى من قول ابن الجوزي كأنه مقلوب.

أذان ابن أم مكتوم اختلف في تأويله فقال ابن حبيب ليس قوله أصبحت أصبحت إفصاحًا بالصبح بمعنى أن الصبح انفجر وظهر، ولكن بمعنى التحذير من طلوعه؛ خيفة انفجاره، ومثله قاله الأصيلي، وسائر المالكيين.

وقالوا معنى أصبحت قاربت الصباح، كما قال تعالى {فإذا بلغن أجلهن} [البقرة234] أي قاربن؛ لأن العدة إذا تمت فلا رجعة، ولو كان أذان ابن أم مكتوم بعد الفجر لم يجز أن يؤمر بالأكل إلى وقت أذانه؛ للإجماع أن الصيام واجب من أول الفجر.

وأما مذهب (خ) في هذا الحديث على ما ترجم به في الباب، فأراد به كان بعد طلوع الفجر. والحجة له.

قوله (( إن بلالا يؤذن بليل ) )فلو كان أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر لم يكن لقوله إن بلالا ينادي بليل معنى؛ لأن أذان ابن أم مكتوم كذلك هو في الليل، وإنما يصح الكلام أن يكون نداءه في غير الليل في وقت يحرم فيه الطعام والشراب اللذان كانا مباحين في وقت أذان بلال.

وقد روي هذا المعنى أيضًا في رواية (خ) في كتاب الصيام (( إن بلالا يؤذن، فكلوا واشربوا حتى يؤذن عمرو فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) )، وأذان عمرو كان علامة لتحريم الأكل لا للتمادي فيه.

وشرط الأذان الوقت فلا يجوز قبله، وهو إجماع في غير الصبح، ومذهب أبي حنيفة في الصبح أيضًا.

وفي (( سنن أبي داود ) )من حديث ابن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي إن العبد قد نام.

أعله أبو داود بتفرد حماد. قال ابن المديني أخطأ فيه وهو غير محفوظ.

وقال الشافعي أهل الحديث لا يثبتونه، ولا تقوم بمثله حجة على الانفراد.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( ابن أم مكتوم ) )مفعول من الكتم، وسمي به لكتمان نور عينيه وهو عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري، وأمه عاتكة بنت عبد الله المخزومي وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين أسلم قديمًا، واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة مرة على المدينة وكان صاحب اللواء يوم القادسية واستشهد بها [1] .

وقال ابن قتيبة رجع إلى المدينة فمات بها.

وفيه جواز وصف الإنسان بعيب فيه للتعريف أو مصلحة لا على قصد التنقيص وهذا أحد وجوه الغيبة المباحة.

[1] في هامش المخطوط (( أقول في ما قاله والدي نظر وذلك أن مكتوم ليس اسم عمرو وإنما أم مكتوم كنية أمه وأمه كانت بصيرة فتأمله، وذكر أنه أعمى أصم ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت