ورد ابن عمر في التشهد وفي الكعبة كذا وقع (( وفي الكعبة ) )، وفي بعضها .
وعليه مشى ابن بطال، وهو أشبه كما قال القابسي، والآخر صحيح أيضًا، فإن أبا نعيم وغيره روي عنه أنه كان يرد في الكعبة أيضًا.
ثم ذكر (خ) حديث أبي سعيد الخدري من طريقين إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره .. الحديث.
أخرجه (م) أيضًا، وذكر المسند منه في صفة إبليس.
قال الإسماعيلي جمع (خ) بين الحديثين، وذكر لفظ سليمان، وليس في حديث يونس ذكر السترة، وفيه الإطلاق للدفع إذا مر في غير سترة.
وفي حديث سليمان ودفعه إذا كان إلى سترة. وفي هذا تجوز.
قوله (( فإذا شاب من بني أبي معيط ) ). جاء في (ن) فأراد ابن لمروان أن يمر بين يديه [1] . وهذا الابن هو داود كما نبه عليه ابن الجوزي في (( تلقيحه ) ).
والحديث عام في كل ما يستره ص 820 من جماد وحيوان، إلا ما ثبت المنع من استقباله من آدمي أو ما أشبه الصنم المصمود إليه وما في معنى ذلك.
وقد كره ذلك بعض الفقهاء، وكرهه مالك في المرأة. وقال المتولي لو يستر بآدمي أو حيوان لم يستحب له ذلك؛ لأنه يشبه عبادة من يعبد الأصنام.
وقال الشافعي في البويطي لا يستر بامرأة ولا دابة. فأما قوله في المرأة. فظاهر لشغل الخاطر. وأما الدابة فقد سلف ما يرد عليه.
ولعل الشافعي لم يبلغه، وهو صحيح، وللتعارض له. وإذا صلى إلى سترة، فالسنة أن يجعلها مقابل يمينه أو شماله، ولا يصمد له؛ أي يجعلها تلقاء وجهه.
وقضية الأمر بالدفع الوجوب، لكنه أمر ندب.
وجاء في رواية لمسلم (( فليدفعه في نحره ) )، وهذا لمن لم يفرط في ترك السترة، فإن فرط أو تباعد عنها على قدر المشروط فلا كراهة، ولا دفع لتقصيره، ولا يجوز للمصلي المشي إليه للدفع.
والمراد بالمقاتلة قوة المنع له على المرور بحيث لا تنتهي إلى الأعمال المنافية للصلاة، ودفعه بالأخف فالأخف كالصائل؛ لاحتمال سهوه، فلو اتفق هلاكه فلا قود عليه بالاتفاق، وفي الدية خلاف.
وأبعد من قال المراد يكتبونه بعد الصلاة. قوله (( فإنما هو شيطان ) )أي إن امتناعه من الرجوع عن المرور من أفعال الشياطين.
وقيل المراد به القرين كما في الحديث (( فإن معه القرين ) ).
وفيه دلالة على أن من فتن في الدين يطلق عليه ذلك، ولا حجر فيه، وأن العمل القليل في الصلاة لمصلحتها غير ضار.
وفيه دلالة أيضًا على أن الحكم للمعاني لا للأسماء بخلاف ما ذهب إليه أهل الظاهر في نفيهم القياس، ويستحيل أن يصير المار بين يدي المصلي شيطانًا بمروره.
وأوجب أحمد السترة، وفي (( صحيح الحاكم ) )من حديث ابن عمر مرفوعًا (( لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديك ) ).
وفي الخط حديث من طريق أبي هريرة، اختلف فيه، أشار الشافعي إلى ضعفه، وصححه ابن حبان وغيره، وفي إسناده اضطراب، وأغرب من نقل عن القديم ببطلان الصلاة بالدفع.
قوله (( فلم يجد مساغًا ) )يعني طريقًا يمكنه المرور منها. يقال ساغ الشراب في الحلق سلس. وساغ الشيء طاب.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( وفي الكعبة ) )عطف على مقدر؛ أي رد المار بين يديه عند كونه في الصلاة في غير الكعبة وفي الكعبة أيضًا، ويحتمل أن يراد به كون الرد في حال واحدة وهي جمعه بين كونه في التشهد وفي الكعبة فلا حاجة إلى مقدر، وفي بعضها الركعة بدل الكعبة.
قوله (( ما لك ) )ما مبتدأ ولك خبره (( ولابن أخيك ) )عطف عليه بإعادة الخافض، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة، ولم يقل ولأخيك بحذف الابن نظرًا إلى أنه كان شابًا أصغر منه.
قوله (( فليقاتله ) )بكسر اللام الجازمة وسكونها, فإن قلت ما المراد بالقتال؟ قلت قالوا معناه الدفع بالقهر لا جواز القتل والمقصود المبالغة في كراهة المرور.
قال القاضي فإن دفعه بما يجوز فهلك به فلا قود عليه بالاتفاق، وقيل تجب الدية أم يكون هدرًا؟ فيه خلاف.
فإن قلت ظاهر الأمر الوجوب فهل الدفع واجب؟ قلت حملوه على الندب بالقرائن.
قوله (( شيطان ) )فإن قلت ما معنى هذا الحصر وظاهر أنه إنسان؟ قلت هو نسبته؛ أي إنما هو ص 821 كشيطان أو يراد به شيطان الإنس.
الخطابي معناه أن الشيطان يحمله على ذلك ويحركه عليه، وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه نفسه، وذلك أن الشيطان هو المارد الخبيث من الجن والإنس.
قال ابن بطال اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترةٍ، فأما اذا صلى إلى غير سترة فليس له ذلك لأن التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلى فيه فلم يستحق أن يمنعه إلا ما قام الدليل عليه، وهي السترة التي وردت السنة بمنعها.
وأجمعوا أنه لا يقاتله بالسيف ولا بما يفسد صلاته؛ لأنه إن فعله كان أضر على نفسه من المار، واختلفوا إذا جاز بين يديه وأدركه هل يرده فقال مالك لا إذ رده مرور ثان.
واختلف فيما إذا دفعه فمات فقيل عليه الدية، وقيل على عائلته وقيل هو هدر؛ لأنه تولد من فعل أصله مباح.
وفيه أنه كالشيطان في أنه شغل قلبه عن مناجاة ربه، وفيه أنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين شيطان.
[1] في هامش المخطوط (( أقول هو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وقيل ابن لمروان وهو داود ) ).