فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 3844

1 -قوله (( ثنا الحميدي ) )الإسناد إلى آخره، وساق حديث (( إنما الأعمال بالنيات ) )هذا حديث حفيل ينبه على خمسة أمور

أولها وجه تعلق هذا الحديث بالآية أن الله تعالى أوحى إلى نبينا وإلى جميع الأنبياء أن الأعمال بالنيات، والحجة قوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة5] ، وقوله {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا} [الشورى13] ، والإخلاص النية، قال أبو العالية وصاهم بالإخلاص في عبادته.

ثانيها إن قلت ما وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة؟ قلت عنه أوجه

أحدها أنه عليه السلام خطب بهذا الحديث لما قدم المدينة حين وصل إلى دار الهجرة، وذلك كان بدء ظهوره ونصره واستعلائه، فالأول مبدأ النبوة والرسالة والاصطفاء وهو قوله باب بدء الوحي، والثاني بدء النصر والظهور.

ثانيها أنه لما كان الحديث مشتملًا على الهجرة وكانت مقدمة النبوة في حقه صلى الله عليه وسلم هجرته إلى الله تعالى، وإلى الخلو بمناجاته في غار حراء، فهجرته إليه كانت ابتداء فضله باصطفائه ونزول الوحي عليه.

ثالثها أنه إنما أتى به على قصد الخطبة والترجمة للكتاب كما سيأتي.

فإن قلت لم لم يبتدئ في أول صحيحه بالحمد، وهو أمر مهم له بال عظيم، وقد صح عن أبي هريرة عبد الله أو عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم ) )رواه أبو داود والنسائي في (( سننهما ) )، كذلك وابن ماجه في (( سننه ) )بلفظ (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع ) ).

وروى الحافظ عبد القادر الرهاوي في (( أربعينه ) )بلفظ (( بذكر الله ) (( ببسم الله الرحمن الرحيم ) )رواه أبو عوانة وأبو حاتم في (( صحيحيهما ) ).

قال ابن الصلاح ورجاله رجال الصحيحين سوى قرة بن عبد الرحمن، فإنه ممن انفرد مسلم عن البخاريص 23 بالتخريج له. قال وهو حديث حسن.

قلت بل صحيح كما أسلفناه عن ذينك الإمامين، وقد تابع سعيد بن عبد العزيز قرة، كما أخرجه النسائي فلم ينفرد به إذًا.

قلت عنه سبع أجوبة

أحدها أن هذا الحديث ليس على شرطه في قرة.

ثانيها على تقدير تسليم صحته على شرطه أن المراد بالحمد الذكر لأمرين

أحدهما أنه قد روي (( بذكر الله ) )بدل (( حمد الله ) )كما سلف.

ثانيهما تعذر استعماله؛ لأن التحميد إن قدم على التسمية خولف فيه العادة، وإن ذكر بعدها لم يقع به البداءة، فثبت بهذين الأمرين أن المراد به الذكر، وقد بدأ به لإتيانه بالبسملة أولًا، فالحمد الثناء على الله تعالى، وقد أثنى البخاري عليه بإتيانه بالتسمية أولًا، وهي من أبلغ الثناء، ولأنها أفضل آي القرآن كما قاله الروياني في (( البحر ) )وأيضًا فكتابه العزيز مفتتح بها، وكتب رسول الله عليه الصلاة والسلام مبتدأة بها؛ فلذلك تأسى البخاري بها [1] .

ثالثها وهو قريب مما قبله، أن بعض الذكر يقوم مقام البعض.

رابعها أن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه، والظاهر أنه حمد بلسانه.

خامسها أن الأمر به محمول على ابتداءات الخطب دون غيرها، زجرًا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم الشعر المنظوم والكلام المنثور، وإنما كان ذلك لثلاثة أمور

أحدها ما روي أن أعرابيًا خطب فترك الحمد فقال عليه السلام (( كل أمر ذي بال ) )إلى آخره.

ثانيها أن أول ما نزل من القرآن {اقرأ} [العلق1] وقل {يا أيها المدثر} [المدثر1] . وليس في ابتدائهما حمد الله، فلم يجز أن يأمر الشارع بما كتاب الله على خلافه.

ثالثها أن خبر الشارع أن يكون خلاف مخبره وقد قال (( فهو أجذم ) )وروي (( أبتر ) ). و (( صحيح البخاري ) )أصح المصنفات، فعلم بهذه الأمور أنه محمول على الخطب دون غيرها من المصنفات والكتب.

سادسها أن هذا الحديث منسوخ بأنه عليه السلام لما صالح قريشًا عام الحديبية كتب (( بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح ) )فلولا نسخه لما تركه، وهذا بعيد، وأي دليل دلنا على النسخ فقد يكون الترك لبيان الجواز.

أقول وأيضًا في النسخ لا بد من معرفة تقدم المنسوخ وتأخر الناسخ من أين علم هنا أن قوله (( كل أمر ذي بال ) )مقدم على قصة الحديبية بل الظاهر العكس فإن تفاصيل الشريعة ما فصلها النبي صلى الله عليه وسلم وآدابها ما علمها للصحابة غالبًا إلا في المدينة الشريفة بعد الهجرة وبعد فتح مكة وظهور الإسلام.

ويحتمل أن يكون كل واحد معتمدًا على الآخر فلا يصير حجة لدعاء وربما خاف من تأبي الكفار لذلك كما منعوا عن بسم الله الرحمن الرحيم كما هو في قصة الحديبية مسطور مشهور عند العلماء انتهى.

سابعها إنما تركه لأنه راعى قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات1] . فلم يقدم بين يدي الله ولا رسوله شيئًا، وابتدأ بكلام رسوله عوضًا عن كلام نفسه، وانضم إلى ذلك ما سلف أنه عليه السلام خطب به عند قدومه المدينة، وخطب به عمر أيضًا، فجعله البخاري خطبة لكتابه.

فإن قلت فقد قدم الترجمة فالجواب أنها وإن تقدمت لفظًا فهي كالمتأخرة تقديرًا؛ لتقدم الدليل على مدلوله وضعًا وفي حكم التبع، وبهذا يندفع سؤال آخر وهو لم قدم السند على المتن؟ ص 24

الأمر الثالث إن قلت لم لم يبتدئ البخاري رحمه الله تعالى بخطبة في أول (( صحيحه ) )كما فعله مسلم رحمه الله؟ قلت لأنه خطب بالحديث للتأسي كما سلف، ونعم السلف.

الرابع سألني بعض الفضلاء عن السر في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصرًا كما سلف عند إيراده، (( ولم لا ذكره ) )مطولًا كما ذكر في غيره من الأبواب؟ فأجبته بأن عمر قاله على المنبر وخطب به، فأراد التأسي به، لكن البخاري ذكره أيضًا مطولًا في ترك الحيل، وفيه أنه خطب به أيضًا كما ستعلمه.

وقال بعضهم إن في الحديث ما يقوم مقام الترجمة من إعلام الناظر في كتابه أنه إنما قصد بتأليفه وجمعه وجه الله تعالى، وتوصيته له أن يحذو حذوه ويفرغ جهده في طلب الإخلاص فيه، يحصل الفوز والخلاص.

وقد قال ابن مهدي الحافظ من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث. وقال لو صنفت كتابًا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث، وقال الخطابي نقلًا عن الأئمة ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبتدئ بهذا الحديث؛ تنبيهًا للطالب على تصحيح النية، ولعموم الحاجة إليه.

الخامس بدأ البخاري رحمه الله تعالى صحيحه بإخلاص القصد وختمه بالتسبيح حيث أورد في آخره حديث (( كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ) )إلى آخره؛ لأن به تتعطر المجالس وهو كفارة لما قد يقع من الجالس. إذا تقررت هذه الأمور فلنرجع في الكلام على الحديث، وهو من ثلاثة وأربعين وجهًا

أولها في تعداد المواضع التي خرجه البخاري فيها

ونحن نسلك إن شاء الله تعالى هذا الأسلوب، نذكر في أول موضع ذكر فيه الحديث جميع طرقه إذا كان مكررًا؛ ليحال ما يقع بعد ذلك عليه. فنقول ذكره البخاري هنا مختصرًا، وساقه عند الداودي بالسند المذكور مطولًا في أول شرحه.

قال الخطابي ولست أشك في أن ذلك لم يقع من جهة الحميدي، فقد رواه لنا الأثبات من طريقه مطولًا، قلت وقد ذكره في ستة مواضع أخر من (( صحيحه ) )عن ستة شيوخ أخر أيضًا

أولها في الإيمان، ثانيها في العتق، ثالثها في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم رابعها في النكاح، في باب من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج امرأة فله ما نوى، خامسها في الأيمان والنذور، سادسها في الحيل، وأخرجه مسلم في (( صحيحه ) )في آخر كتاب الجهاد، وأخرجه أبو داود في الطلاق، والترمذي في الحدود، والنسائي عن يحيى بن حبيب، وغيره في أربعة أبواب من (( سننه ) )الأيمان، والطهارة، والرقاق، والطلاق، ورواه ابن ماجه في الزهد من (( سننه ) )، ورواه مع هؤلاء الستة (خ، م، د، ت، ن، ق) ص 25 الإمام الشافعي في (( مختصر البويطي ) )والإمام أحمد في (( مسنده ) )، والدارقطني، والبيهقي، وأبو حاتم ابن حبان في (( صحيحه ) )المسمى بـ (( التقاسيم والأنواع ) )، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى الإمام مالك فإنه لم يخرجه في (( موطآته ) ).

نعم رواه خارجها، كما علمته من طرق هؤلاء الأئمة، ووهم ابن دحية الحافظ فقال في (( إملائه ) )على هذا الحديث أخرجه مالك في (( الموطأ ) )، ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه.

الوجه الثاني

تحصل لنا من هذه الطرق أربعة ألفاظ واقعة في الحديث (( إنما الأعمال بالنيات ) (( الأعمال بالنية ) ) (( العمل بالنية ) )، رابعها (( إنما الأعمال بالنية ) )، وأورده القضاعي في (( الشهاب ) )بلفظ خامس وهو (( الأعمال بالنيات ) )بحذف (( إنما ) )وجمع الأعمال والنيات، فقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني لا يصح إسنادها. وأقره النووي على ذلك في (( تلخيصه ) )وغيره، وهو غريب منهما، فهي رواية صحيحة أخرجها إمامان حافظان، وحكمًا بصحتها

أحدهما أبو حاتم ابن حبان، فإنه أورده في (( صحيحه ) ).

ثانيهما شيخه الحاكم أبو عبد الله، فإنه أورده في كتابه (( الأربعين في شعار أهل الحديث ) )وأورده ابن الجارود في (( المنتقى ) )بلفظ سادس (( إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى دنيا ... ) )الحديث.

وأورده الرافعي في (( شرحه الكبير ) )بلفظ غريب وهو (( ليس للمرء من عمل إلا ما نواه ) ). ولم أقف على من خرجه بهذا اللفظ.

وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعًا (( إنه لا عمل لمن لا نية له ) )وهو بمعناه، لكن في إسناده جهالة.

الوجه الثالث في التعريف برواته

أما راويه عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو أمير المؤمنين أبو حفص، والحفص في اللغة الأسد وأول من كناه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر معدول عن عامر لا ينصرف للعدل والتعريف يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي، واتفقوا على تسميته بالفاروق؛ لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه وظهور ذلك؛ ولأن الشيطان يفر منه، فقيل سماه الله بذلك، روته عائشة، وإسناده ضعيف.

وقال ابن شهاب سماه بذلك أهل الكتاب. ذكره الطبري، وقيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة أقوال وهو أول من سمي أمير المؤمنين عمومًا، وسمي به قبله خصوصًا عبد الله بن جحش على سرية في اثني عشر رجلًا، وقيل ثمانية، وقد كان مسيلمة الكذاب يسمى بذلك كما يأتي في قصة قتله وأمه حنتمة بحاء مهملة مفتوحة ثم نون ثم مثناة فوق بنت هاشم، ويعرف بذي الرمحين.

قال أبو عمرو من قال حنتمة بنت هشام فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام، والحارث بن هشام بن المغيرة وليس كذلك، وإنما هي ابنة عمها، وقد وقع في هذا الوهم ابن قتيبة في (( معارفه ) )، وقبله ابن منده في (( المعرفة ) )وقال هي أخت أبي جهل، وهو وهم.

ولد بتبالة بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وقال عن نفسه ولدت قبل الفجار الأعظم بأربع سنين، وإليه كانت السفارة في ص 26 الجاهلية [2] ، وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل خمس، بعد أن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بعد أربعين رجلًا، وقيل ثلاثة عشر وإحدى عشرة امرأة.

وقال ابن الجوزي لا خلاف أنه أسلم سنة ست من النبوة بعد أربعين، قال ولما أسلم نزل جبريل عليه السلام فقال استبشر أهل السماء بإسلامه، وقيل أسلم بعد أربع من النبوة وهاجر فهو من المهاجرين الأولين. وكان إسلامه عزًا ظهر به الإسلام بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.

قال ابن مسعود كان إسلام عمر فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا، وشهد بدرًا والمشاهد كلها بويع له بالخلافة يوم موت الصديق، وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بوصاية الصديق إليه، فسار بأحسن سيرة، وزين الإسلام بعدله، وفتح الله به الفتوح ودون الدواوين في العطاء، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وهو أول من ضرب بالدرة وحملها، ومصر الأمصار، وكسر الأكاسرة، وقصر القياصرة، وأخر المقام إلى موضعه الآن، وكان ملصقًا بالبيت، ونور المساجد بصلاة التراويح، وأول من أرخ التاريخ من الهجرة، وأول قاض في الإسلام، ولاه الصديق القضاء، وأول من جمع القرآن في المصحف، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين الصديق، حج بالناس عشر سنين متوالية، وأحج في إحداهن أمهات المؤمنين. ومناقبه جمة وستقف على قطعة منها في المناقب.

وكان طوالًا جدًا جسيمًا، كث اللحية، خفيف العارضين، أصلع شديد الصلع، أعسر يسر؛ أي قوة يديه سواء وكان يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ثم يجمع جراميزه أي أطرافه ويثبت، فكأنما خلق على ظهر فرسه، وكان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم وكان عمر يخضب بالحناء بحتًا، وكان شديد حمرة العينين. وكان أبيض يعلوه حمرة، وقيل أبيض أمهق وقيل آدم.

ونقله ابن عبد البر عن الأكثرين، وأنكره الواقدي والجمهور، وقالوا إنما كان أبيض. قالوا ولعله صار في لونه سمرة عام الرمادة لتخشنه، وكان من محدثي هذه الأمة. وسيأتي أنه وافق في مواضع إن شاء الله تعالى [3] . وفي (( الصحيح ) )أنه عليه السلام قال له (( والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك ) ).

وشهد له بالشهادة، والجنة وسماه سراج أهل الجنة، وأخبر أن الله تعالى جعل الحقص 27 على لسانه.

روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ستة وعشرين منها، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بإحدى وعشرين، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة وغيرهم. روى عنه نحو خمسين صحابيًا منهم عثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وخلائق من التابعين.

ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر أو ستة أشهر، واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين من الهجرة، وقال الفلاس وابن نمير سنة أربع وهو ابن ثلاث وستين على الصحيح كسن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسن الصديق. وقيل ابن ستين.

قال الواقدي وهو أثبت الأقاويل، وقيل ابن إحدى وستين، وقيل ابن اثنتين وخمسين، وقيل ابن أربع، وقيل ابن خمس، وقيل ست، وقيل سبع وخمسين حكاهن الصريفيني، فهذه ثمانية أقوال في سنه.

وغسله ابنه أبو عبد الرحمن عبد الله الأكبر، أفضل أولاده الذكور العشرة عاصم عبيد الله عبد الله الأصغر عبد الرحمن الأكبر عبد الرحمن الأوسط عياض، زيد الأكبر زيد الأصغر والعقب من الثلاثة الأولى الذكور، وكان له من الإناث حفصة وزينب، وكفنه عبد الله أيضًا في ثوبين سحوليين، وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي، ودفن في الحجرة النبوية، على ساكنها أفضل الصلوات.

قتله أبو لؤلؤة غلام نصراني، وقيل مجوسي للمغيرة بن شعبة، وهو في صلاة الصبح، طعنه ثلاث طعنات بسكين مسموم ذات طرفين فقال قتلني أو أكلني الكلب وطعن معه ثلاثة عشر رجلًا، فمات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، فصار إلى لعنة الله، ثم حمل عمر إلى منزله، وبقي ثلاثة أيام وقيل سبعة، ومات رضي الله عنه وكان وافر العلم.

قال ابن مسعود حين توفي عمر ذهب تسعة أعشار العلم. ومن زهده أنه كان في قميصه أربع عشرة رقعة إحداها من أدم.

فائدة ليس في الصحابة من اسمه عمر بن الخطاب غيره، فهو من الأفراد وفي الصحابة عمر ثلاثة وعشرون نفسًا على خلاف في بعضهم، وربما يلتبس بعمرو بزيادة واو في آخره، وهم خلق فوق المائتين بزيادة أربعة وعشرين على خلاف في بعضهم.

فائدة في الرواة عمر بن الخطاب ستة

أحدهم كوفي روى عن خالد بن عبد الله الواسطي.

ثانيهم راسبي روى عنه سويد أبو حاتم.

ثالثهم سكندري روى عن ضمام بن إسماعيل.

رابعهم عنبري روى عن أبيه، عن يحيى بن سعيد الأنصاري.

خامسهم سجستاني روى عن محمد بن يوسف الفريابي.

سادسهم سدوسي بصري روى عن معتمر بن سليمان.

فائدة عمر هذا ثاني العشرة، وهاك سرد وفياتهم لتستحضره فإنه مهم الصديق مات سنة ثلاث عشرة من الهجرة، أبو عبيدة سنة ثمان عشرة، عمر سنة ثلاث وعشرين مع خلاف فيه طلحة والزبير بعده بسنة، ابن عوف ص 28 سنة اثنتين وثلاثين، عثمان سنة خمس وثلاثين، علي سنة أربعين، سعد بن أبي وقاص سنة خمس وخمسين على الأصح، وهو آخرهم موتًا، سعيد سنة إحدى وخمسين.

وأما راويه عن عمر فهو أبو واقد بالقاف علقمة بن وقاص الليثي، نسبة إلى ليث بن بكر المدني العتواري، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكره الواقدي.

وروى ابن منده أنه شهد الخندق، وكان في الوفد الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن عمر وعائشة ومعاوية وغيرهم، وعنه ابناه عمر وعبد الله والزهري وغيرهم.

وروى له مع البخاري مسلم وباقي الستة، ذكره ابن منده وأبو عمر في الصحابة والجمهور في التابعين. وليس له في الصحيحين إلا هذا الحديث وحديث الإفك عن عائشة. مات بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، قاله الواقدي.

فائدة ليس في الكتب الستة من اسمه علقمة بن وقاص غيره.

وأما راويه عن علقمة فهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن الحارث، وكان أعني الحارث من المهاجرين الأولين، وهو ابن عم الصديق. سمع ابن عمر وأنسًا وغيرهما من الصحابة، وعنه ابنه موسى المحدث الفقيه والزهري وخلق.

قال يحيى بن معين ثقة، وكذا وثقه النسائي وأبو حاتم، وأخرج له مسلم أيضًا في (( صحيحه ) )مع باقي الستة. مات سنة عشرين ومائة، وقيل إحدى وعشرين، وقيل تسع عشرة، وهو ابن أربع وسبعين.

وأما راويه عن محمد فهو الإمام أبو سعيد يحيى بن سعيد ونسبه إلى ثعلبة بن الخزرج الأكبر الأنصاري النجاري بالنون والجيم المدني قاضيها، وأقدمه المنصور العراق، وولاه القضاء بالهاشمية ومات بها، وقيل إنه ولي قضاء بغداد ولم يصح. وهو تابعي صغير. سمع أنسًا والسائب بن يزيد وغيرهما.

وعنه جماعة من التابعين منهم هشام بن عروة وغيره. واتفقوا على جلالته وعدالته وحفظه وإتقانه، وقال أحمد إنه أثبت الناس. وقال أبو حاتم هو يوازي الزهري. وقال ابن حبان كان خفيف الحال، فلما استقضاه أبو جعفر ارتفع شأنه ولم يتغير حاله، فقيل له في ذلك، فقال من كانت نفسه واحدة لم يضره المال. مات سنة أربع، وقيل ثلاث، وقيل ست وأربعين ومائة. روى له الجماعة.

فائدة يحيى بن سعيد جماعة في (( الصحيح ) )، لكن لا التباس لهم بهذا. يحيى بن سعيد بن أبان الأموي الحافظ.

فائدة النجار الذي سلف في نسب يحيى بن سعيد لقب، فاسمه تيم اللات، سمي النجار؛ لأنه اختتن بالقدوم، وقيل ضرب وجه رجل به فنحره، أي نحته.

وأما راويه عن يحيى بن سعيد فهو الإمام العلامة أبو محمد سفيان بضم السين على المشهور، وحكي كسرها وفتحها، ابن عيينة بضم العين، وحكى النووي في (( إملائه ) )كسرها ابن أبي عمران الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي. واسم أبي عمران ميمون، مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك ص 29 وكان بنو عيينة عشر خزازين، حدث منهم خمسة محمد وإبراهيم وسفيان وآدم وعمران، وأجلهم سفيان هذا من تابع التابعين، سكن مكة، ومات بها وسمع جماعات من التابعين منهم الزهري.

وعنه خلق، وروى الثوري عن يحيى القطان عنه، وهو من الطرف.

وكان من الحفاظ المتقنين قرأ القرآن وهو ابن أربع، وكتب الحديث وهو ابن سبع، ولما بلغ خمس عشرة قال له أبوه يا بني، قد انقطعت عنك شرائع الصبى فاختلط بالخير تكن من أهله.

واعلم أنه لن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم فأطعهم واخدمهم تقتبس منهم. قال فجعلت لا أعدل عن وصية أبي. حج نيفًا وسبعين حجة.

وقال الحسن بن عمران بن عيينة إن سفيان قال له بجمع آخر حجة حجها قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كل مرة اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييت من الله عز وجل من كثرة ما أساله. فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائتين، ودفن بالحجون، ومولده سنة سبع ومائة. روى له الجماعة.

ومناقبه جمة. وكان ينشد

~خلت الديار فسدت غير مسود ومن الشقاء تفردي بالسؤدد

قال الشافعي لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. قال أبو حاتم هما أثبت أصحاب الزهري. وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى أحمد بن النضر الهلالي قال سمعت أبي يقول كنت في مجلس سفيان بن عيينة، فنظر إلى صبي دخل المجلس، فكان أهل المجلس تهاونوا به لصغره، فقال سفيان {كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} [النساء94] .

ثم قال لي يا نضر، لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار مثل الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قال أوسعوا للشيخ الصغير. قال ثم تبسم ابن عيينة.

فائدة سفيان هذا أحد مشايخ الشافعي، ومن ينتهي إليه سلسلة أصحابنا في الفقه، ومنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى الشافعي وقال سلوا هذا. وقيل عن الشافعي إنه مات في غشية له. فقال إن كان مات فقد مات أفضل أهل زمانه.

وأما راويه عن سفيان فهو الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير ونسبه الحميدي القرشي الأسدي المكي الثقة، رئيس أصحاب ابن عيينة. جالسه عشرين سنة، ومن الفضلاء الآخذين عن الشافعي وأحد رفقائه في الرحلة.

وهو أول من حدث عنه البخاري في (( صحيحه ) )، وروى مسلم في مقدمة (( صحيحه ) )عن سلمة بن شبيب عنه، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، والترمذي وابن ماجه في التفسير. مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين وقيل سنة عشرين.

فائدة في الكتب الستة عبد الله بن الزبير ثلاثة هذا أحدهم، وثانيهم ص 30 الصحابي، وثالثهم البصري وفي الصحابة أيضًا عبد الله بن الزبير بن المطلب بن هاشم، وليس لهما ثالث في الصحابة.

فائدة الحميدي هذا بضم الحاء وفتح الميم. قال السمعاني وهي نسبة إلى حميد بطن من أسد بن عبد العزى بن قصي، وقال النووي في (( إملائه ) )هو نسبة إلى جده حميد المذكور، وقال السمعاني سمعت شيخي أبا القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ يقول هو منسوب إلى الحميدات وهي قبيلة.

فائدة الحميدي هذا قد يشتبه بالحميدي المتأخر صاحب (( الجمع بين الصحيحين ) )وهو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل بمثناة تحت ثم صاد مهملة مكسورة ثم لام الأندلسي، الإمام ذو التصانيف في فنون، سمع الخطيب وطبقته، وبالأندلس ابن حزم وغيره، وعنه الخطيب وابن ماكولا وخلق، كان إمامًا حافظًا متقنًا، سكن بغداد مدة، ومات بها سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، قال السمعاني والحميدي هذا نسبة إلى جده حميد.

فائدة الحميدي بالضم يشتبه بالحميدي بالفتح وكسر الميم نسبة لإسحاق بن تكينك الحميدي، مولى الأمير الحميد الساماني. قلت وأبو بكر عتيق [بن] علي الصنهاجي الحميدي بالفتح أيضًا ارتحل وسمع الحديث وتفقه، وله ديوان شعر، ولي قضاء عدن، ومات باليمن، الوجه الرابع في لطائف إسناده من لطائفه أن رجال إسناده ما بين مكي ومدني، فالأولان مكيان والباقون مدنيون.

ومنها رواية تابعي عن تابعي وهما يحيى ومحمد التيمي، وإن شئت قلت فيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض بزيادة علقمة، ومنها رواية صحابي عن صحابي على قول من عد علقمة صحابيًا، ويقع رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض، وقد أفرد أبو موسى الأصبهاني جزءًا لرباعي الصحابة وخماسيهم، وقد لخصته حذف أسانيده، وسيأتي بعضه ومن العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب بجزء جمع اختلاف طرقه، وهو حديث منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن {قل هو الله أحد} [الإخلاص1] تعدل ثلث القرآن.

قال يعقوب بن شيبة وهذا أطول إسناد روي. وقد روي هذا الحديث أيضًا من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من ص 31 حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو، عن الربيع، عن عبد الرحمن، فذكره.

الوجه الخامس في الأنساب الواقعة فيه

وقع فيه الحميدي وقد سلف بيانه، والأنصاري فنسبه إلى الأنصار، واحدهم نصير كشريف وأشراف، وقيل ناصر كصاحب وأصحاب وهم قبيلتان الأوس والخزرج ابنا حارثة والخزرج أشرف من الأوس لكون أخوال النبي صلى الله عليه وسلم وهو وصف لهم إسلامي، وقيل لهم ذلك؟ لنصرتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي أنه اسم سماهم الله به.

والليثي نسبة إلى ليث بن بكر، والتيمي نسبه إلى عدة قبائل اسمها تيم تيم قريش، ومنها تيم اللات بن ثعلبة، وتيم الرباب، وتيم ربيعة. ويشتبه بالتيمي بفتح الياء بطن من غافق.

الوجه السادس

هذا الحديث أحد أركان الإسلام، ولا شك في صحته من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، رواه عنه حفاظ الإسلام مالك بن أنس، وسعيد بن الحجاج، والحمادان وغيرهم وخلائق.

قال أبو سعيد محمد بن علي الخشاب روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلًا. وبلغهم ابن منده فوق الثلاثمائة.

قال الإمام عبد الله الأنصاري كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. ثم تنبه لقولين ساقطين

الأول ما رأيته في كتاب (( تهذيب مستمر الأوهام ) )لابن ماكولا أنه يقال إن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي.

الثانية ذكرها هو أيضًا في موضع آخر أنه يقال لم يسمعه التيمي من علقمة. فتنبه لوهنهما.

الوجه السابع

هذا الحديث قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير عمر، وإن كان البزار قال لا نعلم روي هذا الحديث إلا عن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد. وكذا ابن السكن في كتابه المسمى بـ (( السنن الصحاح ) )حيث قال لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد غير عمر، وكذا الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب، حيث قال لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير عمر.

ذكره الحافظ أبو يعلى القزويني في كتابه (( الإرشاد ) )من حديث عبد المجيد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم (( الأعمال بالنية ) ). ثم قال ورواه عنه نوح بن حبيب وإبراهيم بن عتيق، وهو حديث غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه.

فهذا مما أخطا فيه الثقة عن الثقة، وإنما هو حديث آخر ألصق بهذا، وقال الحافظ ابن منده رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير عمر سعد بن أبي وقاص، علي بن أبي طالب، أبو سعيد الخدري عبد الله بن مسعود، عبد الله بن عمر، أنس، ابن عباس، معاوية، أبو هريرة، عبادة بن الصامت، عتبة بن عبد الأسلمي، هلال بن سويد، عقبة بن عامر، جابر بن عبد الله، أبو ذر، عتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم.

وسيأتي أنه لا يصح مسندًا إلا من حديث عمر.

الوجه الثامن

هذا الحديث فرد غريب باعتبار، مشهور باعتبار آخر، وليس بمتواتر بخلاف ما يظنه بعضهم، فإن مداره ص 32 على يحيى بن سعيد، قال الحفاظ لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من جهة عمر بن الخطاب، ولا عن عمر إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة إلا من جهة محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمد إلا من جهة يحيى بن سعيد، وعن يحيى أشهر. فرواه جماعات.

التاسع

ادعى الخليلي أن الذي عليه الحفاظ أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمردود وما كان عن ثقة توقف فيه. وقال الحاكم إنه ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع.

وما أبدع حد الشافعي رحمه الله للشاذ، حيث قال هو وأهل الحجاز الشاذ هو أن يروي الثقة مخالفًا رواية الناس، لا أن يروي ما لا يروي الناس.

وهذا الحديث له شواهد من الكتاب والسنة؛ فمن الأول قوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة5] ، ومن الثاني عدة أحاديث منها حديث (( ولكن جهاد ونية ) ).

الوجه العاشر

قول البخاري ثنا الحميدي، وقول يحيى بن سعيد (( أخبرني ) )يتعلق به مسائل

الأول ثنا وأنا، وقد سبق الكلام عليه.

الثانية جرت العادة أن يقال فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثني، ومع غيره ثنا، وفيما قرأ عليه بنفسه أخبرني، وفيما قرأ عليه بحضوره أنا، فإن شك هل كان وحده أو مع غيره؟ فيحتمل أن يقول حدثني أو أخبرني؛ لأن عدم غيره هو الأصل، ولا يقول ثنا، ثم إن هذا التفصيل مستحب، ويجوز في حدثني ثنا، وفي أخبرني أخبرنا.

الثالثة أرفع الأقسام عند الجماهير السماع من لفظ المسمع، قال الخطيب وأرفع العبارات سمعت ثم نا، وحدثني، فإنه لا يكاد أحد يقول في الإجازة والكتابة سمعت لأنه تدليس ما لم يسمعه.

الرابعة في إطلاق ثنا، وأنا في القراءة على الشيخ ثلاث مذاهب المنع، والجواز، والمنع في ثنا والجواز في أنا، وقد ذكر البخاري في باب العلم عن الحميدي عن ابن عيينة أنه قال ثنا وأنا وأنبأنا وسمعت واحد.

الوجه الحادي عشر

قام الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي لا فرق فيه بين أن يأتي بلفظ سمعت، أو بلفظ عن، أو بلفظ أن، أو بلفظ قال.

وقد ذكر البخاري في هذا الحديث الألفاظ الأربعة، فذكره هنا وفي الهجرة والنذور وترك الحيل بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي باب العتق بلفظ عن، وفي باب الإيمان بلفظ أن، وفي النكاح بلفظ قال.

نعم. وقع الاختلاف فيمن دونه إذا قال عن، فقيل إنه من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره، والصحيح أنه من قبيل المتصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا.

والأصح أن أن كعن بالشرط المتقدم. قلت ولغة بني تميم إبدال العين من الهمزة ص 33 وقال أحمد وجماعة يكون منقطعًا حتى يتبين السماع.

الوجه الثاني عشر

ذكر البخاري في بعض رواياته لهذا الحديث سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي بعضها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وتتعلق بذلك مسألة وهي هل يجوز تغيير قال النبي، إلى قال الرسول أو عكسه؟.

قال ابن الصلاح والظاهر أنه لا يجوز، وإن جازت الرواية بالمعنى؛ لاختلاف معنى الرسالة والنبوة. وسهل في ذلك الإمام أحمد وحماد بن سلمة، وصوبه النووي، فإنه لا يختلف به هنا معنى.

قلت وهذه المسألة مبنية على أن الرسالة أخص من النبوة، وهو ما عليه الجمهور.

وأما من قال أنهما بمعنى، فلا يأبى هذا، ومن الغرائب ما قاله الحليمي إن الإيمان يحصل بقول الكافر آمنت بمحمد النبي دون محمد الرسول، معللًا بأن النبي لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره.

ثم اعلم أنه يتأكد الاعتناء بالجمع بين الصلاة والتسليم عند ذكره عليه الصلاة والسلام، وقد نص العلماء على كراهة إفراد أحدهما.

الوجه الثالث عشر

اختلف النحاة في (( سمعت ) )هل يتعدى إلى مفعولين على قولين أحدهم يعم وهو قول أبي علي الفارسي قال لكن لابد أن يكون الثاني مما يسمع، كقولك سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت سمعت زيدًا أخاك لم يجز، والصحيح أنه يتعدى إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي سمعته حال قوله كذا.

الوجه الرابع عشر

(( المنبر ) )بكسر الميم مشتق من النبر وهو الارتفاع، ومنه سمي المنبر.

الخامس عشر

لفظة (( إنما ) )موضوعة للحصر، تثبت المذكور وتنفي ما عداه، هذا مذهب الجمهور وعلى هذا هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنه بالمنطوق، واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات، وقيل تفيده وضعًا لا عرفًا، حكاه بعض المتأخرين.

السادس عشر

في الحديث مع (( إنما ) )صيغة حصر أخرى، وهي المبتدأ والخبر الواقع بعده، وقد أسلفنا أن البخاري رواه مرة بإسقاط (( إنما ) )فكل منهما إذا انفرد يفيد ما أفاده الآخر واجتماعهما آكد.

السابع عشر

(( الأعمال ) )حركات البدن، ويتجوز بها عن حركات النفس، وعبر بها دون الأفعال؛ لئلا تتناول أفعال القلوب، ومنها النية ومعرفة الله تعالى، فكان يلزم أن لا يصحان إلا بنية، لكن النية فيهما محال؛ أما النية فلأنها لو توقفت على نية أخرى لتوقفت الأخرى على أخرى ولزم التسلسل أو الدور، وهما محالان.

وأما معرفة الله تعالى؛ فلأنها لو توقفت على النية، مع أن النية قصد المنوي بالقلب لزم أن يكون عارفًا بالله قبل معرفته وهو محال.

ثم اعلم أن الأعمال ثلاثة بدني، وقلبي، ومركب بينهما

فالأول كل عمل لا يشترط فيه النية كرد المغصوب، والعواري، والنفقات، وكذا إزالة النجاسة على الصواب.

والثاني كالاعتقادات، والتوبة، والحب في الله، والبغض فيه.

والثالث كالوضوء، والصلاة، والحج، وكل عبادة بدنية، فيشترط فيها النية قولًا كانت أو فعلًا. وبعض الخلافيين يخصص العمل بما لا يكون قولًا، وفيه نظر؛ لأن القول عمل خارجي أيضًا، أما الأفعال فقد استعملت مقابلة للأقوال. ولا شك أن هذا الحديث ص 34 يتناول الأقوال.

الثامن عشر

(( النيات ) )جمع نية بالتشديد والتخفيف، فمن شدد وهو المشهور كانت من نوى ينوي إذا قصد وأصله نوية، قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء لتقاربهما، ومن خفف كانت من ونى يني إذا أبطأ وتأخر؛ لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر. ويقال نويت فلانًا وأنويته بمعنًى.

التاسع عشر

الباء في قوله (( بالنيات ) )، يحتمل أن تكون باء السببية، ويحتمل أن تكون باء المصاحبة.

العشرون

وجه إفراد النية على رواية البخاري في الإيمان كونها مصدرًا، وجمعت هنا، لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأن المصدر إذا اختلفت أنواعه جمع، فمتى أريد مطلق النية من غير نظر لأنواعها تعين الإفراد، ومتى أريد ذلك جمعت.

الحادي بعد العشرين

أفردت أيضًا وجمعت الأعمال؛ لأن المفرد المعرف عام، والمراد أن كل عمل على انفراده تعتبر فيه نية مفردة، ويحتمل أن العمل الواحد يحتاج إلى نيات إذا قصد كمال العمل، كمن قصد بالأكل دفع الجوع، وحفظ النفس، والتقوي على العبادة، وبتعدد النيات يتعدد الثواب.

الثاني بعد العشرين

أصل النية القصد، تقول العرب نواك الله بحفظه، أي قصدك الله بحفظه، والمراد هنا قصد الشيء المأمور تقربًا إلى الله تعالى مقترنًا بقصده. فإن قصد وتراخى عنه فهو عزم.

وجعل الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في (( أربعينه ) )النية، والإرادة، والقصد، والعزم بمعنًى، قال وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه، قال وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها مما ذكرنا.

ثم اعلم أن محلها القلب عند الجمهور لا اللسان؛ لقوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة5] ، والإخلاص إنما يكون بالقلب، وقال تعالى {يناله التقوى منكم} [الحج37] ، وقال عليه الصلاة والسلام (( التقوى ها هنا ) )ويشير إلى صدره ثلاث مرات.

إذا تقرر أن محلها القلب، فإن اقتصر عليه جاز إلا في الصلاة على وجه شاذ لأصحابنا. وإن اقتصر على اللسان لم يجز إلا في الزكاة على وجه شاذ وإن جمع بينهما فهو آكد. واشترطه أبو عبد الله الزبيري وحكاه الروياني، واقتضى كلامه طرده في كل عبادة. ومشهور مذهب مالك أن الأفضل أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق بلسانه؛ إذ اللسان ليس محلًا النية.

تنبيهات

أحدها جميع العبادات المعتبرة يشترط فيها المقارنة إلا الصوم للمشقة، وإلا الزكاة؛ فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها، قيل والكفارات؛ فإنه يجوز تقديمها قبل الفعل.

ثانيها ينبغي لمن أراد شيئًا من الطاعات أن يستحضر النية، فينوي به وجه الله.

ثالثها النية وسيلة للمقاصد، والأعمال قد تكون وسيلة وقد تكون مقصودة وقد يجتمعان.

الثالث بعد العشرين

قوله (( إنما الأعمال بالنيات ) )هو متعلق بالخبر المحذوف، ولا جائز أن نقدر وجودها لوجودص 35 العمل ولا نية، فتعين أن نقدر نفي الصحة أو نفي الكمال، وفيه مذهبان للأصوليين، والأظهر الأول؛ لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن عند الإطلاق، وقد يقدرونه بالاعتبار، أي اعتبار الأعمال بالنيات، وقدر بعض المحدثين القبول وهو راجع إلى ثواب الآخرة، وهو مرتب على الصحة والكمال، وقد تنفك الصحة عن القبول بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط.

وعلى تقدير الصحة أو الكمال وقع الخلاف، فذهب الشافعي ومالك وأحمد وداود وجمهور أهل الحجاز إلى تقدير الصحة، أي الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات ولا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم إلا بنية، وذهب أبو حنيفة وموافقوه إلى تقدير الكمال، أي كمال الأعمال بالنيات. فيصح الوضوء والغسل بغير نية ولا يصح التيمم إلا بنية، وذهب طائفة إلى أنه يصح الكل من غير نية، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وغيره.

فإن قلت الحديث عام مخصوص فإن أداء الدين، ورد الودائع، والأذان، والتلاوة، والأذكار، وإماطة الأذى عبادات، وتصح بلا نية إجماعًا، فتضعف دلالته حينئذ، ويخص عدم اعتبارها في الوضوء أيضًا.

فالجواب أن ما عد وادعي فيه الصحة بلا نية إجماعًا ممنوع حتى يثبت الإجماع، ولن يقدر عليه، ثم نقول النية تلازم هذه الأعمال، فإن مؤدى الدين قصد براءة الذمة وذلك عبادة، وكذلك الوديعة، والأذكار، والتلاوة بصورتهن عبادة، ولا ينفك تعاطيهن عن القصد، وذلك نية. ومتى خلون عن القصد لم يعتد بهن عبادة، والهداية والإماطة مترددة بين القربة وغيرها، وتتميز بالقصد.

الرابع بعد العشرين

قوله (( إنما لكل امرئ ما نوى ) )يقال امرؤ ومرء. ويقال هذا امرؤ، وهذان امرآن، ولا يجمع إلا قومًا ورجالًا، والأنثى امراءة ومرآة، بغير همز وما بمعنى الذي، صلته نوى، والعائد محذوف، أي نواه. وإن قدرت ما مصدرية لم تحتج إلى حذف؛ والتقدير لكل امرئ نيته.

الخامس بعد العشرين

قوله (( وإنما لكل امرئ ما نوى ) ). مقتضاه أن من نوى شيئًا يحصل له، وما لم ينوه لا يحصل له؛ ولهذا عظموا هذا الحديث، وجعلوه ثلث العلم، والمراد به الحصول وعدمه بالنسبة إلى الشرع، وإلا فالعمل قد حصل لكنه غير معتد به.

السادس بعد العشرين

مقتضى قوله (( إنما لامرئ ما نوى ) )أن من نوى شيئًا لم يحصل له غيره ومن لم ينو شيئًا لم يحصل، وهذه قاعدة مطردة في جميع مسائل النية، نعم شد عن ذلك مسائل يتأدى الفرض فيها بنية النفل، محلها كتب الفروع.

السابع بعد العشرين

الهجرة في اللغة الترك. والمراد بها هنا ترك الوطن والانتقال إلى غيره، وهي في الشرع مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة. وفي الحقيقة مفارقة ما يكره الله إلى ما يحبه.

ووقعت الهجرة في الإسلام على خمسة أوجه

أحدها إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة.

ثانيها من مكة إلى المدينة بعد الهجرة.

الثالثة هجرة القبائل إلى المدينة قبل الفتح للاقتباس والتعلم لقومهم عند الرجوع.

الرابعة هجرة من أسلم من أهل مكة؛ ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إليها. كفعل صفوان بن أمية ومهاجرة الفتح.

الخامسة هجرة ما نهى الله عنه، وهي أهمها.

وأما حديث لا هجرة بعد الفتح فمؤول كما ستعلمه في موضعه فإن الهجرة باقية ص 36 إلى يوم القيامة من دار الكفر إذا لم يمكنه إظهار دينه إلى دار الإسلام. واعلم أن معنى الحديث يتناول الجميع غير أن الحديث ورد على سبب كما سيأتي، والعبرة بعموم اللفظ.

الثامن والعشرين

قوله (( فمن كانت هجرته إلى دنيا .. ) )إلى آخره، هو تفصيل لما سبق في قوله (( إنما الأعمال بالنيات، وإئما لكل آمرئ ما نوى ) )، وإنما فرض الكلام في الهجرة؛ لأنها السبب الباعث على هذا الحديث كما يأتي.

التاسع والعشرين

قوله في الرواية الأخرى في الإيمان (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله .. ) ). إلى آخره لابد فيه من تقدير شيء؛ لأن القاعدة عند أهل الصناعة أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لابد من تغايرهما، وهنا وقع الاتحاد، فالتقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وعقدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا [4] .

أقول وكذا قاله الزركشي في (( شرح البخاري ) )وغيره، وهذا لا يصير جوابًا لمنع الاتحاد فإن ذلك حاصل مع هذا التقدير، فإن النحوي يقول أن لا يتحد الشرط والجزاء لفظًا وهو فرق يتفرقهما معنى بأن فعل الشرط نية وعقد، أو الجزاء حكمًا وشرعًا فبمجرد وصفه الشرط والجزاء نسبين متغايرين لا يحصل به التغاير اللفظي فالذي فر منه هو واقع فيه.

الثلاثون

قوله (( فمن كانت هجرته إلى دنيا ) )بضم الدال على المشهور، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها، وجمعها دنا ككبرى وكبر وهي من دنوت لدنوها وسبقها الدار الآخرة، وينسب إليها دنيوي ودنيي.

وقال الجوهري وغيره ودنياوي وهو مقصور غير منون على المشهور، وهو الذي جاءت به الرواية، ويجوز في لغة غريبة تنوينها.

الحادي والثلاثون

في حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين

أحدهما ما على الأرض مع الجو والهواء، وأظهرهما كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة.

الثاني والثلاثون

المراد بالإصابة الحصول، شبه تحصيل الدنيا بإصابة العرض بالسهم بجامع حصول المقصود.

الثالث والثلاثون

قوله (( أو امرأة يتزوجها ) )هو بمعنى ينكحها كما في الرواية الأخرى، وقد يستعمل بمعنى الاقتران بالشيء، ومنه قوله تعالى {وزوجناهم بحور عين} [الدخان54] ، أي قرناهم، قاله الأكثرون. وقال مجاهد والبخاري وطائفة أنكحناهم.

الرابع والثلاثون

إن قلت كيف ذكرت المرأة مع الدنيا مع أنها داخلة فيها، فالجواب عنه من أوجه

أحدها أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة؛ لأن (( لفظ ) )دنيا نكرة وهي لا تعم في الإثبات. فلا يلزم دخول المرأة فيها.

الثاني أن هذا الحديث ورد على سبب، وهو أنه لما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله تعالى بقوله {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية [النساء97] ، ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله ص 37 {إلا المستضعفين من الرجال} [النساء98] ، وهاجر المخلصون إليه، فمدحهم في غير ما موضع من كتابه.

وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين، منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة من المهاجرين [5] يقال لها أم قيس، وادعى ابن دحية أن اسمها قيلة، فسمي مهاجر أم قيس، ولا يعرف اسمه بعد البحث عنه، ولعله للستر عليه، فكان قصده بالهجرة من مكة إلى المدينة نية التزوج بها لا لقصد فضيلة الهجرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وبين مراتب الأعمال بالنيات، فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية؛ لأجل تبيين السبب، وإن كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا.

قال صلى الله عليه وسلم (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) )، وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب، كما أنه سئل عن طهورية ماء البحر زاد (( حل ميتته ) )ويحتمل أن يكون هاجر لمالها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره لتحصيل دنيا من جهة ما، فعرض بها.

أقول قيل إنما خصت المرأة بالذكر لأن العرب في الجاهلية كانت لا تزوج المولي بالعربية وإنما يزوجون بناتهم للأكفاء في النسب، فلما جاء الإسلام ساوى بين المسلمين في مناكحهم وصار كل مسلم كفوًا لصاحبه فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها انتهى.

قال ابن الملقن

الثالث أن ذكرها من باب التنبيه على زيادة التحذير منها كذكر الخاص بعد العام؛ تنبيهًا على مزيته، كما في ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة، وليس منه قوله تعالى {ونخل ورمان} [الرحمن68] ، بعد ذكر الفاكهة، وإن غلط فيه بعضهم؛ لأن فاكهة نكرة في سياق الإثبات فلا تعم، وقد جاء في القرآن عكس ذلك لقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم عليه السلام {رب [6] اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين} [إبراهيم41] ، وعن نوح عليه السلام {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين} [نوح28]

الخامس والثلاثزن

إن قلت لم ذم علي بن أبي طالب الدنيا وهو أمر مباح والمباح لا ذم فيه ولا مدح؟ قلت إنما ذم لكونه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا. وإنما خرج في صورة طالب فضيلة الهجرة فأبطن خلاف ما أظهر.

السادس والثلاثون

إنما لم يعد صلى الله عليه وسلم ما بعد الفاء الواقعة جوابًا للشرط بقوله (( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) )ولم يعده باللفظ الأول في الرواية الأخرى (( فهجرته إلى الله ورسوله ) )للإعراض عن تكرير ذكر الدنيا والغض منها؛ ولئلا يجمع بين ذكر الله ورسوله في الضمير فقد نهى عنه في حديث الخطيب.

السابع والثلاثون

هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، واختلف في عدها على عشرة أقوال، نذكر منها أربع

أحدها أنها ثلاثة هذا الحديث، وحديث (( حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) )، وحديث (( الحلال بين والحرام بين ) ).

ثانيها أنها أربعة بزيادة حديث (( ازهد في الدنيا يحبك الله ) )، وقد نظمها بعضهم

~عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية

~اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية

الثالث أنها اثنان.

الرابع أنها واحد وهو حديث (( الحلال بين ) ).

الثامن والثلاثون

هذا الحديث ص 38 عظيم الموقع كثير الفائدة قال أبو داود إنه نصف الفقه، وقال الشافعي فيما رواه البويطي عنه يدخل في هذا الباب ثلث العلم وسببه كما قال البيهقي وغيره أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاث وأرجحها؛ لأنها تكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين؛ ولأن القول والعمل يدخلهما الفساد بالرياء ونحوه بخلاف النية، فهذا الحديث يتضمن النية.

وحديث (( حسن إسلام المرء ) )يتضمن القول، وحديث (( الحلال بين ) )يتضمن العمل فكمل بالمجموع الإسلام؛ لأنه قول وعمل ونية، وقال عبد الرحمن بن مهدي يدخل هذا في ثلاثين بابًا من الإرادات والنيات.

وقال أبو عبيد ليس شيء من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم حديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث. وقال البخاري في باب الإيمان فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام.

قال ابن دحية لم أجد فيما أرويه من الدينيات أنفع من قوله (( إنما الأعمال بالنيات ) )، إذ مدار العلم عليه.

قلت وقول إمامنا الشافعي السالف إن هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا في الفقه، مراده الأبواب الكلية كالطه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت