وإن من أعظم المنكرات في هذا الشأن أن يترك الوالي إنكار المنكر، أو إقامة الحدّ بمال يأخذه كما قال ابن تيمية: (وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات، وإقامة الحدود عليها بمال يأخذه، كان بمنزلة مقدم الحرامية الذي يقاسم المحاربين على الأخيذة، وبمنزلة القواد الذي يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة، وكان حاله شبيها بحال عجوز السوء إمرأة لوط) [1] .
ومن مقاصد الإمامة في تنفيذ الدين حمل الناس على الوقوف عند حدود الله، والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك، ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية كما سبق. لأن بعض الناس لا يصلح إلا بالقوة، كما أن بعضهم لا يصلحه إلا اللين والسماحة. كما قال الشوكاني رحمه الله: (فإن من الناس من يصلح بالهوان، ويفسد بالإكرام كما هو معلوم لكل من يعرف أحوال الناس واختلاف طبقاتهم) [2] . فمثل هؤلاء يجب أطرهم على الحق أطرًا كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص، كان الرجل يرى أخاه على الذنب فينهاه عنه، فإذا كان من الغد، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن فقال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... } حتى بلغ {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [3] » . فقال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متكئًا فجلس
(1) السياسة الشرعية (ص 73) .
(2) من كتابه (قطر الولي على حديث الولي) أو (ولاية والله والطريق إليها) تقديم وتحقيق د. إبراهيم هلال (ص 259) . ط. 1397 هـ. ن. دار الكتب الحديثة. مصر.
(3) سورة المائدة آية 8، 81.