وذلك من باب مبايعة المفضول مع وجود الأفضل - كما سيأتي في الشروط - فلا يصار إلى العهد إلى الأقارب إلا إذا ما رَجَّحت مصلحة المسلمين ذلك، وتيُقِّن تحقيق هذه المصلحة. وبناء على هذا فهم متفقون على أن الإمامة لا تورث، فليس من الإسلام في شيء أن تكون الإمامة في أسرة معينة، أو طائفة خاصة، قال ابن خلدون: (وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية، إذ هو أمر من الله يخصُّ به من يشاء من عباده، وينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفًا من العبث بالمناصب الدينية، والملك لله يؤتيه من يشاء) [1] . وقال عبد القاهر البغدادي: (كل من قال بها - أي بإمامة أبي بكر رضي الله عنه - قال: إن الإمامة لا تكون موروثة) [2] . ومعلوم أن كل أهل السنة يقولون بإمامة أبي بكر رضي الله عنه، ولم يخالفهم إلا الرافضة من الشيعة، وقال ابن حزم: (لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها) [3] . فنظام الحكم الوراثي غير معترف به إذن في الإسلام مطلقًا، وقد قال الله عز وجل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [4] .
رأينا فيما سبق الطرق الشرعية لانعقاد الإمامة، وهي الاختيار والاستخلاف ورأينا أن كلًا منهما لا بد فيه من البيعة من قِبَل أهل الحل
(1) نفس المرجع (ص 212) .
(2) أصول الدين (ص 184) .
(3) الفصل في الملل والنحل (4/ 167) .
(4) سورة البقرة آية 124.