الثاني:
أن يعهد الإمام بالإمامة إلى أكثر من واحد يرتبها فيهم، فيقول مثلًا: إن متّ ففلان هو الإمام، فإن مات فالإمام فلان، فإن مات فالإمام فلان، وهكذا، فالإمامة حينئذ يجب أن يراعى فيها الترتيب المذكور، وقد استدل العلماء على هذا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة مؤتة وتوليته الإمارة لثلاثة على الترتيب كما مر.
اختلف العلماء في جواز ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول:
عدم جواز العهد إلى أصول العاهد أو فروعه، وذلك لأن العهد كالشهادة والحكم، فلا تقبل شهادة الرجل لأصوله ولا لفروعه، لوجود التهمة بحقه، فالإنسان بطبعه يحبُّ نفسه ويؤثرها على غيرها في أكثر الأحيان، ويحب أصوله وفروعه لأنه جزء منهم وهم جزء منه، فلا تحمله العاطفة على مجانبة الصواب وتزكية والده أو ولده لأمر الخلافة، وهو لا يستحقها وليس كفؤًا لها، والمسلم مأمور بالابتعاد عن الشبهات ومواطن التهم، فإن من اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
الثاني:
جواز العهد إلى الأصول والفروع وذلك (لأنه أمير الأمة، نافذ الأمر لهم وعليهم، فغلب حكم المنصب على حكم النَّسب، ولم يجعل للتهمة عليه طريقًا) [1] . قال ابن خلدون: (ولا يُتَّهم الإمام في هذا
(1) مآثر الإنافة (1/ 52) ، وانظر الأحكام السلطانية (ص 25) ، وللماوردي (ص 10) .