يقول ابن تيمية في هذه المسألة: (التحقيق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دلّ المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك ... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيانًا قاطعًا للعذر، ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود، ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار:(وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر) رواه البخاري ومسلم ... [1] . [2] إلى أن قال: (فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها، وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ يكون طريق ثبوتها العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلًا على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لا يحتاج إلى عهد خاص) [3] .
فابن تيمية إذن يرى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يصدر عنه أمر إلى المسلمين بأن يكون أبو بكر هو الخليفة من بعده، وإنما علم من الله سبحانه أن المسلمين سيختارونه لمزاياه التي يتمتع بها ويفوق بها غيره.
(1) سيأتي تخريجه قريبًا في تولية أبي بكر.
(2) منهاج السنة (1/ 139) .
(3) منهاج السنة (1/ 140، 141) .