أما كون العقل يقبح تقديم المفضول على الأفضل فغير مسلم به، لأن الهدف من إقامة الخلافة هو تحقيق مقاصدها، فالأقدر على تحقيق هذه المقاصد هو الأولى بالتنصيب سواء كان هو الأفضل أم المفضول.
فالذي يترجح عندي هو: أن الأقدر على تحقيق أهداف الإمامة هو الأولى بالتنصيب سواء كان فاضلًا أو مفضولًا، لأنه إذا كان صالحًا في نفسه ضعيفًا في تدبير الأمور أثر هذا الضعف على جميع الأمة، أما إذا كان قويًا في سياسته وحسن تدبيره وعنده شيء من التقصير في الطاعة فإن هذا التقصير ترجع مضرته على نفسه دون الأمة، فهو أولى بالتقديم، ولذلك منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر رضي الله عنه من التولية وبين له السبب في منعه، فعنه رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» [1] هذا أبو ذر الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم» . على نبينا وعليه السلام قال: فقام عمر بن الخطاب فقال يا نبي الله: أفنعرف ذلك له؟ قال: «نعم فاعرفوا له» [2] .
أما إذا اجتمع الفضل والصلاح في شخص واحد فهو الأولى بالتقديم بلا شك، وإنما يصار إلى الثاني لأجل المصلحة العامة وخوف وقوع الفتنة،
(1) رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وأحمد وسبق تخريجه (ص226) من هذا الفصل.
(2) رواه الترمذي بلفظ «ما أظلت الخضراء ... » إلخ في: المناقب. ب: مناقب أبي ذر، ح3801 ... وقال: حديث حسن (5/ 669) ، ورواه ابن ماجة في المقدمة ب: 11، وأحمد (2/ 163) ، وابن سعد (4/ 168) ، وابن حبان في صحيحه (ص560) .