فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 666

وهذا ما حدا بعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن لا يولي رجلًا صالحًا بعده، كما قال مالك رحمه الله للعمري: (أتدري ما الذي منع عمر بن عبد العزيز أن يولي رجلًا صالحًا؟) قال العمري: (لا أدري) . قال مالك: (لكني أنا أدري، إنما كانت البيعة ليزيد بعده فخاف عمر إن ولى رجلًا صالحًا أن لا يكون ليزيد بد من القيام فتقوم هجمة فيفسد ما لا يصلح) [1] قال الشاطبي تعليقًا على هذه الرواية: (فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق وإقامة المستحق أن تقع فتنة وما لا يصلح، فالمصلحة في الترك) [2] .

علمًا بأن الصلاح هذا يختلف من ولاية أخرى، فينبغي أن يجعل في كل ولاية الأصلح لها، فإن الولاية لها ركنان كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهما: (القوة، والأمانة ... ) ، أخذًا من الآية الكريمة: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} قال: (والقوة في كل ولاية بحسبها. فالقوة في ولاية الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها. والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله ... وترك خشية الناس) [3] قال: (فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما: أعظم أمانة. والآخر: أعظم قوة. قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها) [4] وقد سبق كلام الماوردي وأبي يعلي في أنه يراعى ما يقتضيه العصر (فإذا كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة، كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم لسكون الدهماء وظهور البدع كان الأعلم أحق) [5] وهذا هو مذهب أهل

(1) الاعتصام للشاطبي (2/ 128) وذكرها استدلالًا على العمل بالمصالح المرسلة.

(2) الاعتصام للشاطبي (2/ 128) وذكرها استدلالًا على العمل بالمصالح المرسلة.

(3) السياسة الشرعية لابن تيمية (ص14، 15) .

(4) نفس المرجع (ص16) .

(5) الأحكام السلطانية للماوردي (ص7) ، ولأبي يعلي (ص24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت