بقي الآن أن أدلي بدلوي في التماس هذه الحكمة فهي - فيما أرى والله أعلم - أن قريشًا هي أفضل قبائل العرب بنص الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [1] .
فالعرب في الأجناس وقريش في العرب مظنة أن يكون فيهم الخير أعظم مما يوجد في غيرهم، ولهذا كان منهم أشرف خلق الله النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يماثله أحد في قريش، فضلًا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان منهم الخلفاء الراشدون، وسائر العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم، وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب السابقون الأولون ممن لا يوجد لهم نظير في سائر الأجناس، فلا بد أن يوجد في الصنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول، فمظنة وجود الفضلاء في قريش أكثر من مظنة وجودهم في غيرها، ولم يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بني هاشم دون غيرهم من قريش وهم أفضل بطون قريش، لأنها بطن من قبيلة فعددها محصور وقليل، فلا يلزم أن يكون الفضلاء فيها، كما أن أفضل الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن فيهم، وإنما في بني تيم وهو أبو بكر، ثم عمر من بني عدي، ثم عثمان من بني أمية، ثم علي من بني هاشم.
ومما يدل على فضل العرب على غيرهم قول الإمام أحمد في رواية الإصطخري عند ذكر عقيدته: (ويعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ويحبهم لحديث: «حبهم إيمان، وبغضهم نفاق» . ولا يقول بقول الشعوبية
(1) رواه مسلم، والترمذي وغيرهما وسبق تخريجه (ص 256) .