غير حقه فأنت ملك، وأما الخليفة فهو الذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية، ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهل بيته، والوالد على ولده، ويقضي بينهم بكتاب الله. فقال كعب: ما كنت أحسب في هذا المجلس من يفرق بين الملك والخليفة، ولكن الله ألهم سلمان الإجابة) [1] .
فهذا من الفروق في نوعية سياسة الرعية، ومن الفروق أيضًا الطريق التي يتم بها الملك أو الخلافة، فالملك يتم عادة عن طريق القهر والغلبة والعهد من الآباء للأبناء ونحو ذلك، دون الرجوع إلى أهل الحل والعقد، أما الخلافة فلا تكون إلا بإقرار أهل الحل والعقد، سواء عن طريق الاختيار أو عن طريق الاستخلاف كما سيأتي:
لكن مما يجب التنبيه له أن كلامنا هنا لا يشمل الملك الذي ذكره الله لبعض أنبيائه كداود وسليمان وغيرهما عليهما السلام، فقد قال الله تعالى عن داود: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [2] . وقال عن سليمان: ... {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ ... كَفَرُوا} [3] . وغيرهم من الأنبياء ممن سُمُّا ملوكًا فهؤلاء أنبياء معصومين، ولا شك أن ملكهم على نهج الحق قطعًا، لذلك لا يرد عليه الذم الوارد في الأحاديث السابقة لعصمتهم عليهم السلام.
هذا وقد أجاز أهل السنة والجماعة إطلاق كلمة (خلفاء) على من جاءوا بعد الخلفاء الراشدين وإن كانوا ملوكًا بشرط كونهم من قريش، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «الخلافة بعدي ثلاثون ثم يؤت الله الملك من يشاء» [4] .
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 306) . وانظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص 140) ط. أولى 1371 هـ ن. المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
(2) سورة البقرة آية 251.
(3) سورة البقرة آية 102.
(4) سبق تخريجه قريبًا (ص 33) .