2 -إن الإمام مهما بلغ من التقوى والورع والصلاح يبقى إنسانًا فيه ميول وغرائز وطباع ونوازع نحو الخير وأخرى نحو الشَّر، فهو يخطئ ويصيب، ويذنب ويستغفر ليس بمعصوم، ويتأثر بعوامل جبلِّيَّة فُطِرَ عليها كحُبِّ آبائه وأبنائه ومحاباتهم غالبًا. فالأولى له الابتعاد عن مواطن التهمة والشبهة، والاستبراء لدينه وعرضه من ذلك، وهي: أمانة يجب التحرز منها، وأداؤها على وجهها الأكمل، وقد حذَّر الله تعالى من عاطفة البنوة فقال: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [1] أي: فلا تقوده عاطفة البنوة إلى الهلاك.
أما من سبق وأجاز العهد للولد فإنه اشترط أن يكون الهدف مصلحة المسلمين لا غرضًا دنيويًا رخيصًا، بل اعتبر ذلك بعض الكتاب من شروط صحة العهد عمومًا فقد قال د. صلاح دبوس: (الشرط الثاني: أن يستوحي العاهد من عهده مصلحة المسلمين، وهذا ما يكشف عنه عمل أبي بكر عند توليته لعمر رضي الله تعالى عنهما كما هو ظاهر من عهده له) [2] . والذي سبق أن عرضناه آنفًا، وكذلك عهد معاوية لابنه يزيد بدافع مصلحة المسلمين وإلا فهناك من هو أحق منه وأفضل وأصلح، ولكن خشي إن تركهم بدون عهد أن تعود الفتنة مرة أخرى، يقول ابن خلدون في هذا الصدد: (وكذلك عهد معاوية على يزيد خوفًا من افتراق الكلمة، لما كانت بنوا أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه مع أن ظنه به كان صالحًا، ولا يرتاب أحد في ذلك، ولا يظن معاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق، حاشا الله لمعاوية من ذلك) [3] .
(1) سورة الأنفال آية 28.
(2) الخليفة توليته وعزله (ص 149) .
(3) المقدمة (ص 206) .