فعلى الدولة الإسلامية أن تعمل بشتى الوسائل على نشر شريعة الإسلام وتبليغها لمن لم تصل إليه. فإذا لم يستجب المجتمع الذي أبلغ بها فتعرض عليه الجزية - إن كانوا من أهلها - فيكونون في ذمة المسلمين عليهم الحماية لهم، وتبيين حقائق الدين لهم، حتى يدخل من يدخل في الإسلام منهم عن طواعية ورغبة وقناعة، لأنه لا إكراه في الدين. فإذا رفض المجتمع هذين الأمرين فلا سبيل إلا الحرب، فعلى الدولة مقاتلتهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، كما قال عز وجل {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [1] .
قال السبكي: (فمن وظائف السلطان تجنيد الجنود، وإقامة فرض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، فإن الله تعالى لم يوله على المسلمين ليكون رئيسا آكلا شاربًا مستريحًا بل لينصر الدين، ويعلي الكلمة، فمن حقه ألا يدع الكفار يكفرون أنعم الله ولا يؤمنون بالله ولا رسوله) [2] .
وإلى تحقيق هذا المقصد سلك إمام المسلمين الأول - صلى الله عليه وسلم - هذا المسلك، فبعد أن شرفه الله بالرسالة، وأمره بالتبليغ، ومكنه الله في الأرض، أخذ يرسل الرسل [3] إلى المدائن يدعونهم إلى الدخول في دين الله، ويبينون لهم طريق الحق، ويقرؤونهم القرآن، وأخذ يراسل الملوك والزعماء ويكاتبهم [4] ،
(1) سورة البقرة 191.
(2) معيد النعم ومبيد النقم للسبكي (ص 16) .
(3) انظر: فتح الباري (13/ 241) .
(4) انظر: كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى في صحيح البخاري ك: العلم. ب: 7، فتح الباري (1/ 154) ، وكتابه إلى قيصر في البخاري أيضًا ك: الجهاد. ب: 99، فتح الباري (6/ 107) . وكتابه إلى بعض رؤساء اليمن في سنن أبي داود ك: الخراج والإمارة. ب: 27، (عون 8/ 268) ، وكتابه إلى أهل هجر في طبقات ابن سعد: (ح 1، ق 1، ص 21) . وإلى المقوقس في الطبقات أيضًا: (ح 1، ق 2، ص 16) ، وإلى أكيدر دومه في: مسند أحمد (3/ 133) . وإلى ملوك بصرى في الطبقات: (ح 2، ق 1، ص 92) . وإلى بني بكر بن وائل في مسند أحمد (5/ 68) وغيرهم.