هذه التركة، وغرست الفرقة والنفور بين أبناء المسلمين، وصرفت الولاء إلى التراب أو إلى العرق والقبيلة، بدلًا من الولاء والحب في الله ولله. واستمر ذلك فترة حتى تتلمذ على أيديهم من لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، فانسحبوا ظاهرًا، وأعلنوا استقلال هذه الدويلات الصغيرة الصوري - وذلك بعد مقاومة عنيفة من أبناء المسلمين - وإن كانوا جعلوا مكانهن عبيدًا لهم ربوهم على أيدهم وبأفكارهم، ويأمرونهم فيطيعون، وينصحونهم فيستجيبون، فكانوا خدمًا لهم، ورعاة على مصالح أسيادهم المقدمة على مصالح شعوبهم. وبهذا أحكموا السيطرة على بلاد المسلمين، وفرضوا العلمانية (اللادينية) على هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، وأبعدوا الدين عن كل شيء اسمه الحكم.
لكن هذه الطاقة الكامنة في قلوب الفئة المؤمنة لم تنطفِ، وإنما بدأت التحركات وعلت الصيحات تنادي في كل مكان: لا بد من حكم إسلامي، ولا بد من سياسة الدنيا بهذا الدين، ولا بد من تحرير الولاء لله وحده لا لشرق ولا لغرب.
بعد هذه الصيحات تنبه أعداء الله إلى أنه لا بد من القضاء على هذه الفكرة وطمس مفاهيمها، بعد القضاء على حقيقتها وواقعها. ولم يكتفوا بتجنيد أبناء دينهم - المستشرقين - بل استخدموا بعض أدعياء العلم والدين، كما انضمت إليهم طوائف من المتطوعين المنتسبين للإسلام. فهرعت الأقلام لتكتب عن نظام الحكم في الإسلام، فهناك من أنكر أن يكون في الإسلام نظام حكم، أو أنه يدعو إلى إقامة دولة إسلامية [1] ، وآخر لم يمانع من أن يكون
(1) انظر: (ص 64) من هذا البحث.