كما أن العقل لا يستقل بتحليل شيء ولا تحريمه، فهذا من أخص خصائص الشرع. يقول القاضي أبو يعلى رحمه الله: (إن العقل لا يُعلم به فرض الشيء ولا إباحته، ولا تحليل شيء ولا تحريمه) [1] . قلت: ولو كان كذلك لما كان هناك حاجة إلى إرسال الرسل وإنزال الوحي.
كما أن مما ينبغي التنبيه عليه أنه لا تعارض بين الشرع الصحيح والعقل السليم، فكل ما أثبته الشرع فالعقل السليم يوافقه، وكل ما نفاه الشرع فالعقل السليم ينفيه فلا يتصور التعارض بينهما، وإذا وقع التعارض فإما أن النقل للشرع غير صحيح، وإما أن العقل مريض، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن الحجة العقلية الصحيحة لا تناقض الحجة الشرعية الصحيحة، بل يمتنع تعارض الحجج الصحيحة، سواء كانت عقلية أو سمعية وعقلية) [2] . لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خالف النصوص الصريحة الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها، فتأمل ذلك في مسائل التوحيد، والصفات، ومسائل القدر، والنبوات والمعاد، تجد ما يدل عليه صريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يخالفه إما أن يكون حديثًا موضوعًا أولا تكون دلالته مخالفة لما دل عليه العقل، ونحن نعلم قطعًا أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول، وإن أخبروا بمجازات العقول، فلا يخبرون بما يحيله العقل) [3] أ. هـ.
(1) الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 19) .
(2) رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل المنيرية المجلد الأول (حـ 2، ص 27) .
(3) مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم (1/ 141) . ط. ن. مكتبة الرياض الحديثة.