أولًا: فمنهم من أوجبها عقلًا لا شرعًا وهم فريقان:
أحدهما: أوجبها على الناس: وينسب هذا القول إلى معتزلة بغداد [1] والجاحظ [2] من معتزلة البصرة [3] ، ومن أقوى أدلتهم على ذلك هو: (أن أصل دفع المضرة واجب بحكم العقل قطعًا، فكذلك المضرة المظنونة يجب دفعها عقلًا، وذلك لأن الجزئيات المظنونة المندرجة تحت أصل قطعي الحكم، يجب إدراجها في ذلك الحكم قطعًا) [4] .
وللرد على هؤلاء نقول: كون هذا الدليل عقلي لا شرعي غير مسلم به، وقد استدل أهل السنة بهذا الدليل على وجوب الإمامة شرعًا، لأن وجوب دفع الضرر ثابت بالشرع. فقد قال الله عز وجل: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [5] الآية وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [6] .
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (2/ 308) . وانظر: الروض النضير للسباغي - التتمة للعباس بن أحمد الحسني (5/ 18) .
(2) هو: عمرو بن بحر الجاحظ وكنيته أبو عثمان. من كبار المعتزلة، وإليه تنسب الجاحظية من فرقهم، وهو: من الطبقة السابعة توفي سنة (255) في أيام المهتدي. انظر: فرق وطبقات المعتزلة (ص 73) .
(3) شرح المواقف للجرجاني (8/ 348) ط. 1325 هـ. ن. مطبعة السعادة مصر.
(4) العثمانية للجاحظ (ص 261) .
(5) سورة البقرة آية 125.
(6) رواه ابن ماجة عن عبادة بن الصامت، ك: الأحكام ب: 17، ح2340 (2/ 784) ، والدار قطني، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسقط أبا سعيد قال النووي في أربعينه: حديث حسن وقال: له طرق يقوي بعضها بعضًا. انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي (ص 286) ، والحديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في المسند (5/ 327) فهو من زوائد المسند، وصححه ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (250) (1/ 99) .