ب- وهناك من قال بالمنع إلا أن يكون هناك سبب مانع من الإتحاد على إمام واحد، ويقتضي هذا السبب التعدد، ففي هذه الحالة يجوز التعدد. وذكر إمام الحرمين الجويني أهم هذه الأسباب في قوله: (منها اتساع الخطة، وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة، وجزائر في الحج متقاذفة، وقد يقع قوم من الناس نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وقد يتولج خط من ديار الكفر بين خطة الإسلام، وينقطع بسبب ذلك نظر الإمام عن الذين وراءه من المسلمين ... ) قال: (فإذا اتفق ما ذكرناه فقد صار صائرون عند ذلك إلى تجويز نصب إمام في القطر الذي لا يبلغه أثر نظر الإمام [1] .
وعزا الجويني هذا القول إلى شيخه أبي الحسن الأشعري، والأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني [2] ، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي [3] ، ورجحه أبو منصور البغدادي [4] ، وإلى ذلك ذهب القرطبي في تفسيره فقال: (لكن إذا تباعدت الأقطار، وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز ذلك) [5] .
لكن يلاحظ من أقوال المجيزين عند اتساع الرقعة، إنما ذلك بسبب الضرورة، وإلا فإن وحدة الإمامة هي الأصل، وإن التعدد إنما أبيح على سيبل الاستثناء المحض، ولضرورات تجيزه، والضرورة تقدر
(1) غياث الأمم (ص 28) .
(2) هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران. فقيه جليل وعالم أصولي توفي سنة 418 هـ. وفيات الأعيان (1/ 28) ، وطبقات الشافعية (4/ 256) ، والأعلام (1/ 59) .
(3) مآثر الإنافة للقلشندي (1/ 46) .
(4) أصول الدين (ص 274) .
(5) الجامع لأحكام القرآن (1/ 273) .