أما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقد كان يرى الخروج على أئمة الجور، وهو ظاهر مذهبه على قول أبي بكر الجصاص، فقد قال: (ومن الناس من يظهر أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته، وأنه يفرق بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه، وذكر ذلك عن بعض المتكلمين .. ) . قال: (ولا فرق عند أبي حنيفة بين القاضي والخليفة في أن شرط كل منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة، ولا يكون حاكمًا، كما لا تقبل شهادته ... ) . قال: (وكان مذهبه رحمه الله مشهورًا في قتال الظلمة وأئمة الجور، ولذلك قال الأوزاعي:(احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمله ... ) قال: (وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرًا في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن) .) [1] .
وقال أبو إسحاق الفزاري لأبي حنيفة: (ما اتقيت الله حيث حثثت أخي على الخروج مع إبراهيم، فقال: أنه كما لو قتل يوم بدر، وقال شعبة: والله لهي عندي بدر الصغرى) [2] وكان يقول في المنصور وأشياعه: (لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت) [3] .
أما الإمام مالك فقد روى ابن جرير عنه أنه أفتى الناس بمبايعة محمد ابن عبد الله بن حسن - خرج سنة 45 هـ - فقيل له: (فإن في أعناقنا بيعة للمنصور: فقال: إنما كنتم مكرهين، وليس لمكره بيعة، فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته) [4] . وقال ابن العربي من المالكية: (قال
(1) أحكام القرآن للجصاص (1/ 70) ط 1335 هـ. ن. دار الكتاب العربي. وانظر: الملل والنحل للشهرستاني (1/ 158) .
(2) شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (1/ 214) . ونحوه في تاريخ بغداد (13/ 384) .
(3) الكشاف للزمخشري (1/ 309) .
(4) البداية والنهاية (10/ 84) .