أما طلحة والزبير وأهل الشام وفيهم معاوية والنعمان بن بشير والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم أجمعين فلو أنهم يعلمون أن سبب الخروج هو الكفر وحده ثم خرجوا وقاتلوا المسلمين لكان معنى هذا أنهم متعمدون استحلال مقاتلة الإمام وإراقة دماء المسلمين، وليسوا مجتهدين مخطئين، وهذا لا يجوز في حقهم قطعًا، ولو أنهم يعلمون ذلك ولم يخرجوا حتى كفر علي - حاشا لله أن يكفر - لا حتجوا به وأظهروه، ولم يعللوا خروجهم بالمطالبة بدم عثمان -فدل على أنهم يرون الخروج على الإمام ولو لم يكفر.
أما الذين توقفوا، وأشهرهم عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى، فهؤلاء لم ينقل عنهم أن سبب توقفهم هو أن أحدًا من الفئتين لم يكفر فلا يجوز الخروج عليه، بل الثابت أن توقفهم كان عن اجتهاد ووجهة نظر إذ رأوا أنها فتنة لم يتبين لهم الأمر فيها وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القتال في الفتنة، والذي يدل على أن هذا هو سبب توقفهم ما يلي:
1 -أما أسامة بن زيد فقد روى البخاري أن حرملة قال: (أرسلني أسامة إلى علي وقال إنه سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك؟ - أي الذي أخره عنا - فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا الأمر لم أره) [1] .
2 -أما عبد الله بن عمر فقد كان يرى الكف، عملًا بأحاديث النهي عن القتال في الفتنة، ومثله سعد، ومحمد بن مسلمة، إلا أن ابن عمر وسعدًا نقل عنهما الندم على أنهما لم يقاتلا الفئة الباغية التي قتلت عمارًا. فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ... (من هي الفئة الباغية؟ ولو علمنا ما سبقتني أنت ولا غيرك على قتالها) [2] وروي عنه أنه قال: (ما أجد في نفسي شيئًا
(1) صحيح البخاري في ك: الفتن. ب: 20، فتح الباري (13/ 61) .
(2) الفصل (4/ 171) .