يتفشى فيها الظلم إلا ويبدأ فيها الانهيار، وحلَّت عليها عقوبة الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [1] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، وإن لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة) [2] .
والعدل الحق لا يكون إلا بتطبيق أحكام الشريعة التي تضمنت العدل كل العدل في إعطاء الحقوق لأصحابها وتنظيم العلاقات بين الناس تنظيمًا عادلًا. وإن من أكبر الظلم وأخطره أن يتعدى حاكم من الحكام على حق من حقوق الله تعالى فيقوم بالتشريع للأمة يرعاها، وفي هذا يكون ظالمًا لنفسه بأن عرضها لغضب الله وسخطه، وأحلها دار البوار. فتعدى حدوده وطغى على حق من حقوق الله عز وجل لا يجوز إلا له، وكذلك يكون ظالمًا للرعية التي تحت يده حيث حرمهم من عدل الله وشرعه، وحمَّلهم من الآثام والأوزار بسبب إجبارهم على التحاكم إلى الطاغوت، وقد رأينا فيما سبق ما في ذلك من الوعيد.
وللعدل صور شتى، منها القيام بمنع الظلم وإزالته عن المظلوم، ومنع انتهاك حرمات الناس، وحقوقهم المتعلقة بأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وإزالة آثار التعدي الذي يقع عليهم، وإعادة حقوقهم إليهم، ومعاقبة المعتدي عليها بما يستحقه من العقوبة. ومن صوره أيضًا فَضُّ الخصومات والمنازعات بين المسلمين
(1) سورة هود آية 102.
(2) الحسبة (ص 94) .