لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا لقول معتب، ورواه ابن أبي حاتم. قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ أي: هذا قدر قدره الله - عزّ وجل - وحكم حتم لا محيد عنه، ولا مناص منه. فمن علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة، كما كتب ذلك في اللوح المحفوظ لم يكن بد من قتله. فلو قعدتم في بيوتكم لبرز من بيوتهم الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، أي إلى أمكنة مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون. والمعنى: أن الله كتب في اللوح المحفوظ قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم. وبعد أن ذكر الله - عزّ وجل - نموذجا من كلام المنافقين، وبين دخيلة أنفسهم، بين بعد هذا أن من جملة الحكم فيما حدث يوم أحد للمسلمين اختبار ما في الصدور، وتمحيص ما في القلوب، وهو أعلم فقال: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي فعل ذلك ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان، وذكر الواو في ابتداء بيان الحكمتين يشعر بأن مع هاتين الحكمتين حكما أخرى. فالمعنى إذن فعل ذلك لمصالح جمة، وللابتلاء والتمحيص الذي هو التمييز. نفهم من ذلك أنه يستخرج ما
في الصدور، ويعرف ما في القلوب على الحقيقة في لحظات المحن، فهي محك الإيمان.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بخفياتها وما يختلج فيها من السرائر والضمائر. ثم بين الله - عزّ وجل - علة ما حدث، وهو المعاصي التي كان يواقعها من يواقعها منهم.
مما يدل على أن الطاعة قبل المعركة والتوبة قبل المعركة، عاملان من عوامل الثبات فيها فقال: