التنكير فِي كاتب {أن يكتب} وقوله {كما علمه الله} إما أن يكون متعلقاً بما قبله فالتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب مثل ما علمه الله تعالى فيقع قوله بعد ذلك {فليكتب} تأكيداً للأول أي فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله تعالى إياها أو بما بعده فيكون الأول نهياً عن الامتناع مطلقاً ، والثاني أمراً بالكتابة المقيدة والمطلق لا دلالة له على المقيد ، فلا يكون الثاني تأكيداً للأول وإنما يكون بياناً له . ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى تحصيلاً لحاجة المسلم وشكراً لما علمه الله من كتابة الوثائق فهو كقوله: {وأحسن كما أحسن الله إليك} [القصص: 77] وقيل: إنه على سبيل الإيجاب ولكنه نسخ بقوله {ولا يضار كاتب ولا شهيد} . وعن الشعبي أنه فرض كفاية فإن لم يجد إلا كاتباً واحداً وجبت الكتابة عليه ، وإن وجد أشخاصاً فالواجب كتابة أحدهم .
وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله يعني أنه بتقدير أن يكتب ، فالواجب أن يكتب كما علمه الله وأن لا يخل بشرط من الشروط كيلا يضيع مال المسلم بإهماله . واعلم أن الكتابة بعد حصول الكاتب العارف بشروط الصكوك والسجلات لا تتم إلا بإملاء من عليه الحق ليدخل فِي جملة إملائه اعترافه بمقدار الحق وصفته وأجله إلى غير ذلك ، فلهذا قال سبحانه {وليملل الذي عليه الحق} والإملال والإملاء لغتان: قال الفراء: أمللت عليه الكتاب لغة الحجاز وبني أسد ، وأمليت لغة بني تميم وقيس ، وقد نطق القرآن بهما . قال: {فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} [الفرقان: 5] .