وإنما لم يقل كلما تداينتم ليكون نصاً فِي العموم لأن الكلية تفهم من بيان العلة فِي قوله: {ذلكم أقسط عند الله} فإن العلة قائمة فِي الكل فيكون الحكم حاصلاً فِي الكل ، أو نقول: العلة هي التداين والعلة لا ينفك عنها معلوها فتكون القضية كلية كما فِي قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] والأجل مدة الشيء ومنه أجل الإنسان لمدة عمره . وفائدة قوله {مسمى} أن يعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام . وأنه لو قال إلى الحصاد أو إلى قدوم الحاج لم يجز لعدم التسمية . ثم إنه تعالى أمر فِي المداينة بشيئين: الكتبة والاستشهاد ليكون كلا المتداينين أوثق وآمن من النسيان والتفاوت والتخالف فِي مقدار الدين وفي انقضاء الأجل وفي سائر ما تشارطا عليه . وهذا الأمر قيل للوجوب وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي ، وجمهور المجتهدين على أنه للندب لإجماع المسلمين قديماً وحديثاً على البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد ، ولأن فِي إيجابهما حرجاً وتضييقاً . وقيل: كانا واجبين فنسخا بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته} وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم بن عتيبة . أما المخاطب بقوله: {فاكتبوه} فليس كل أحد لوجود أميين كثيرين فِي الدنيا ، بل من له استئهال لكتبه ولهذا قال: {وليكتب بينكم كاتب} وليس ذلك أيضاً على الإطلاق ولكنه يجب أن يكون الكاتب متصفاً بالعدل فيكتب بحيث لا يزيد فِي الدين ولا ينقص عنه ولا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر ، ويحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع فِي المراد منها . وهذا بالحقيقة أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً أديباً ديناً . قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين المجتهدين ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله {ولا يأب كاتب} ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى