لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها، وعند أبي حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلماً. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا) : روي أن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر؛ فنزلت، (أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) . عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثم جعلهم اللَّه أهل رجاءٍ كما تسمعون، وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.
قبل الردة، وقال أبو حنيفة: يلزم قضاء ما أدى، والذي يشد من عضد الحمل على التقييد: إيقاع (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) حالاً من المجرور في (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) ، وهو مطلق وشائع في الخسران، وعطف (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) على (فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) ، وهو تقييد لذلك المطلق وبيان لذلك المبهم.
قوله: (ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون) ، قال القاضي: أثبت لهم الرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة، لاسيما والعبرة بالخواتيم.
الراغب: وهذه المنازل الثلاثة التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) [المائدة: 35] ، ولا سبيل إلى المهاجرة إلا بعد الإيمان، ولا إلى جهاد الهوى في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلى ذلك فحق له أن يرجو رحمته. انتهى انتهى {حاشية الطِّيبِي على الكشاف. 3/ 347 - 353} .