روي يشعر بأن يكون قوله: (الَّذينَ يقاتلونكم) عَلَى ظاهره إنما قال يؤيد
لأن خصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم لا سيما إذا احتمل اللَّفْظ عَلَى العموم، وأَيْضًا
الْمَعْنَى الأول كونه أمرًا بمقاتلة بعض الكفرة وهم الَّذينَ يقاتلون الْمُسْلمينَ بالْفعْل سواء كان
في الحرم أو لا وسواء كان في الشهر الحرام أو لا، وما روي مَخْصُوص بمن يقاتلونهم في
الحرم والشهر الحرام فلا يوافق ما روي الْمَعْنَى الأول لكن لا يتقاعد عن التأييد في الْجُمْلَة
ولهذا ذهب النحرير التفتازاني إلَى أنه وجه رابع وهو الْمُرَاد بالَّذينَ يقاتلونكم من يتصدى من
الْمُشْركينَ للقتال في الحرم وفي الشهر الحرام. ولقد أصاب؛ إذ الأول عام منه كما لا يخفى
والتَّخْصِيص مذكور في سبب النزول، ولا يقال إنه تَخْصيص من غير مخصص.
قوله:(ولا تعتدوا بابتداء القتال أو بقتال المعاهد أو المفاجأة به من غير دعوة أو
المثلة أو قتل من [نهيتم] عن قتله)ولا تعتدوا بابتداء القتال. ناظر إلَى الاحتمال الأول. قوله
أو قتل من نهيتهم. ناظر إلَى الاحتمال الثاني وهم الشيوخ والصبيان الخ. والنهي مُسْتَفَاد
من القيد فإن الأمر بالمقاتلة الَّذينَ يقاتلونهم مستلزم للنهي عن قتال الَّذينَ لم يقاتلوكم
والاحتمالين الباقيين ليس لهما ارتباط إلَى ما قبله ظاهرًا لا سيما المثلة.
قوله: (لا يريد بهم الخير) أشار به إلَى أن معنى محبة الله إرادة الخير والنفي
كالْإثْبَات في ذلك التأويل، فلا إشكال بأن نفي المحبة عَلَى ظاهرها، كَمَا صَرَّحَ به النحرير في
المطول في حل قَوْلُه تَعَالَى: (فَمَا رَبحَتْ تجَارَتُهُمْ) ولام المتعدين
للاسْتغْرَاق لكن لعموم السلب لا لسلب العموم لفساد الْمَعْنَى.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقفْتُمُوهُمْ وَأَخْرجُوهُمْ منْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفتْنَةُ أَشَدُّ منَ الْقَتْل وَلا
تُقاتلُوهُمْ عنْدَ الْمَسْجد الْحَرام حَتَّى يُقاتلُوكُمْ فيه فَإنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلكَ جَزاءُ الْكافرينَ (191)
قوله: (حيث وجدتموهم في حل أو حرم) لعموم المكان ولذا قال من حل أو حرم.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وكرهوا ذلك أي وهم قد كرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام؛ ولذلك خافوا أن
يقع القتال فيه.
قوله: بابتداء القتال أو بقتال المعاهد. ناظرًا إلَى الوجه الأول وقوله وقتل من نهيتم عن قتله
من النساء. ناظر إلَى الوجه الثاني.
قوله: لا يريد بهم الخير إشَارَة إلَى أن السبب المنفى هنا بمعنى إرادة الخير، وكذا في كل
مَوْضع أسند الحب إلَى الله تَعَالَى يراد به إرادة الخير لمن يتعلق هُوَ به.