فوجه الحديث إذا - والله أعلم - أن لا يدعني أحد بأسمائي الحسنى ولا يتقرب إلي بالثناء على إتمام حاجة يستقضيها وهو مقيم على ذنبه، فإني وإن قضيت حاجته، فلا أعد دعاءه عبادة، لأنه إنما أدخلته فيه حاجته لا تعظيمه إياي، وحبه إلي، إذ لو كان كذلك لم يعصني ولم يرتكب ما يهينه عنه، ولا يزداد مني إلا بعداً، لأني أرد عليه ثناءه ولا أقبله منه، ولا أزداد عليه غضباً لأني ابتليته بالحاجة التي لا يحملها دعائي فلم ير في حق جلالي وعظمتي أن يتقدس بالتوبة أمام دعائي، لكنه لزم خطيئته، ولم يفارق فيها عاداته.
ولئن كان هذا الوعيد مع الإجابة فكأنه يقول: لا أزداد عليه إلا غضباً لأنه عرف الحاجة، فلم يتذلل بالتوبة، ثم رأى الإجابة فلم يشكر بالتوبة، فتغلظت ذنوبه السالفة بذلك، واستحق لها زيادة الغضب من الله تعالى.
وفي هذا الحديث معنى آخر: وهو أن إجابة الدعاء للمصر على الذنب يكون تعريضاً عاجلاً له من الثناء على الله، فيخرج دعاؤه كذلك من جملة العبادات التي يثاب عليها في الآخرة، وينزل ذلك منزلة رد بنائه عليه التي يتداعى فإن دعاءه يكتب له عبادة حسنة، وأقل جزاء: الحسنة عشر أمثالها، يتعجل منها الإجابة ثم يكون ما وراءها مدخراً له إلى يوم القيامة.
وأما الفصل الثاني: فقد جاء عنه فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال:
«إن الله يحب الصالحين في الدعاء» وأنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل أو ساه»
وأنه - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه لكي يسمع تضرعه» أي يجيب دعاءه، ويثيبه بتضرعه.
وفي هذا بيان التضرع من آداب الدعاء والله أعلم.
وأما الفصل الثالث: فقد جاء فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من سره أن يستجاب له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء» .
ويحتمل أن يكون الدعاء في الرخاء بدل الثناء والشكر والاعتراف بالمنن ومسألة التثبيت والتوفيق والمعونة والتأييد والاستغفار والمعونة والتأييد والاستغفار لغواهم، والتقصير فإن العبد وإن جهد لم يوف ما عليه من حق الله تعالى بتمامه.
وأما الفصل الرابع: فقد جاء فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -: إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء.
فإن الله لا يشكر له» وجاء أنه قال: «فليعزم في الدعاء ولا يقبل اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم أعطني إن شئت، وليسل مسألته عزماً، فإن الله يشكره» .