فإنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إذا سألتم الله فأعظموا الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه إعطاؤه» وليس معنى هذا أنه لا ينبغي لأحد أن يسل الله تعالى إلا شيئاً عظيماً، وإنما هو على أن من عظمت حاجته فلا يمنعه عظمها عنده من أن يسلها الله جل ثناؤه فإنها وإن تعاظمت فلا يتعاظم الله ولا يكبر عليه شيء .
والعظيم والصغير من حاجات العباد في اتساع قدرته لقضائها.
وأما عوارض الحاجات فإن صغيرها وكبيرها متفقان في أن سبيلهما أن يرفعا إلى الله جل ثناؤه ويتوقع نجاحهما من عنده.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «اسألوا الله حوائجكم كلها حتى شسع نعالكم إذا انقطع وحتى الملح» .
وأما الفصل السابع:
فإن الدعاء سؤال في عمد إلى سؤال غيره، فسرد يسرد أو هو لا يحيط بمعناه، وإن أحاط به كان مصروف الهم عنه إلى لفظه، وكان اختياره ذلك الدعاء على غيره لأجل الذي نظمه وإعجابه به لم يكن داعياً ولا سائلاً وإنما يكون كالقاضي دعا غيره.
والمنشد شعر غيره إلا أن تكون استعانة بدعاء غيره لأن يجب أن يكون ما يسأل الله تعالى بألفاظ حسنة، والثناء عليه أمام المسألة بليغاً لا يقصد فيه فئة ولا يهتدي مع ذلك إلى تأليف ونظم، ويجد لغيره في مثل ما أنعمه من السؤال دعاء مستحسناً أو يكون عن تسبب الدعاء إليه ممن يقتدي به ويترك بكلامه، فيستعين به لهذا المعنى ويحضر عند السرد قلبه وتوفيه من إخلاص الطلب حقه، فيكون عند ذلك والمنشئ للدعاء من عنده سواء بل أفضل من بعض الوجوه والله أعلم.
وأما الفصل الثامن: هو أن لا يشغله الدعاء عن فريضة الله حاضرة، فلأنه إذا اشتغل بالدعاء عن فريضة حاضرة صار عاصياً فلم يستحق أن يعطيه الله من إذا سأله يمنع مراده، ولأن الدعاء بعد أن يكون تصاحبه الإجابة، والله أعلم.
وأما الفصل التاسع: هو أن يكون الدعاء لا على وجه الاختبار، فلأن الرب مختبر العبد فيجزيه بما يظهر عنه، وليس العبد أن يختبر الرب، لأن الطاعة له لازمة أساء أو أحسن إليه، ولأن الاختبار ليس باستنجاح، وإنما الدعاء طلب واستنجاح فما خلا عنهما فليس بدعاء والله أعلم.
وأما الفصل العاشر: وهو التحفظ من الخطأ في الدعاء، فلأن تعظيم الله تعالى واجب على العبد بكل حال، وهو في حال مسألته والرغبة أوجب وألزم، فلذلك ينبغي للعبد إذا دعا أن لا يخرج في دعائه إلى ما هو في العبادات فجة وركاكة.