فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أي من عفي له من جهة ولي الدم شيء من العفو، والعفو يطلق على معان، المناسب منها هنا اثنان: العطاء، والإسقاط والترك. فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي فليكن مطالبة للدية بالمعروف بلا تعسف ولا عنف ومن غير شطط وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أي وتأدية من جهة الجاني للمجني عليه من غير مماطلة ولا تعب ولا بخس حق. ذلِكَ الحكم المذكور من العفو والدية.
تَخْفِيفٌ تسهيل. وَرَحْمَةٌ بكم، حيث وسع في ذلك، ولم يحتم واحدا منهما كما حتم القصاص على اليهود، والدية على النصارى.
فَمَنِ اعْتَدى أي انتقم من القاتل بعد العفو.
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل الْأَلْبابِ جمع لب: وهو العقل.
سبب النزول:
هناك روايتان في سبب نزول هذه الآية (178) : فروي عن قتادة والشعبي وجماعة من التابعين: أنه كان من أهل الجاهلية بغي وطاعة للشيطان،
فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم، قالوا:
لا نقتل به إلا حرا، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم. وإن قتلت لهم امرأة قالوا:
لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية، يخبرهم أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي.
ثم أنزل الله تعالى في سورة المائدة بعد ذلك: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة 5/ 45] .
وروي عن السّدّي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم- وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء- على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصهم بعضهم من بعض.
فنزلت الآية لتأييد حكمه.
التفسير والبيان: