وقد روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أن معنى الآية من علم بعد موت الموصي جنفًا أو تعمد إيذاء بعض فأصلح ما وقع من الإثم وما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق فلا إثم أي لَا يكون إثم التبديل، بل يكون له ثواب الإصلاح، وروى النسائي أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته، وليس له مال غيرهم فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فغضب من ذلك وقال:"لقد هممت ألا أصلي عليه"، ثم دعا مملوكيه فجزأهم ثلاثة أجزاء، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقد أخرج مسلم هذا الحديث.
وقد اشترط في نفاذ الوصية ألا يكون فيها مضارة، فلقد قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ. . .) ، وقرر مالك أن كل وصية فيها مضارة تكون باطلة.
هذا وقد اتفق الفقهاء على أن الوصية بمعصية تكون باطلة، وكذلك الوصايا التي يكون الباعث عليها معصية من المعاصي كان يوصِي لخليلته لتبقى معه على العشرة الحرام، وإن تكلموا في مدى قوة الباعث.
وفى الجملة إن الآية الكريمة تدل على أنه لَا إثم على من بدل وصية آثمة فحولها إلى الخير، أو أبطلها إن لم يمكن تحويلها، وإن ذلك يكون للقضاء أو لوالي الحسبة.
ولأن التبديل لَا يكون في دائرة الإثم ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ) أي إن الله تعالى بالغ الغفر؛ غفار للموصِي أن همَّ وعدل، وغفار لمن أصلح ونجح، ولا يأثم من غيَّر بعد الوفاة، وحولها من جنف إلى عدل، وأن الله يرحم الموصي ويرجى ألا يؤاخذه ما دام لم يتم ما أقدم عليه، وقد أكد سبحانه الغفران والرحمة بصيغة الغفور الرحيم، وبإن المؤكدة، وبالجملة الاسمية. اللهم اجعلنا ندخل في غفرانك، ونحن في رحمتك. انتهى انتهى {زهرة التفاسير} ...