ولذلك كان من التخفيف والرحمة أن يكون حق القصاص قابلا للعفو، وإنه إذا كان العفو كانت الدية كما قال كثيرون من الفقهاء، ودل على ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ غفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) وهذا يدل ضمنا على وجوب الدية، ولقد قال - صلى الله عليه وسلم:"أيما عبد أصيب بقتل أو خَبْل - أي جرح - فله إحدى ثلاث: القصاص أو الدية أو العفو فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه".
وقوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يدل على ثلاثة أمور:
أولها: التحريض على العفو بذكر الأخوة الرابطة التي لم يقطعها الاعتداء؛ لأنها برباط الله تعالى فلا يفكه العبد.
ثانيها: أن أي قدر من العفو يسقط القصاص، فلو تعدد الأولياء في درجة واحدة، وعفا أحدهم سقط القصاص.
ثالثها: أن التعبير بالبناء للمجهول يدل على تلمس العفو.
ثم قال تعالى: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْروفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان) .
أي إذا كان العفو، فالأمر ينتقل من إراقة دم جديد إلى أن يكون اتباعا للقاتل من غير إرهاق بالملازمة، بل بالأمر الذي لَا يستنكر في العرف وتتعاون أسرة القاتل في أدائه من غير غباب، وهذا من جانب ولي الدم، ومن جانب القاتل وأسرته يكون الوإجب هو الأداء بإحسان، أي تكون نفوسهم سمحة، ويؤدون الدية في مواقيتها من غير ليٍّ، والإحسان الإجادة والإتقان وهو في مثل هذا المقام يكون بالمسارعة في الأداء والسماحة ولا مانع من الزيادة تطييبًا للنفوس المكلومة.
والنص الكريم يفيد بالإشارة إلى أن الدية بدل من القصاص عند العفو، ولذلك ذكرت مترتبة عليه، وكأنه إذا كان العفو ننتقل من القصاص صورة ومعنى بقتل القاتل، إلى القصاص معنى وهو الدية، فالقصاص ثابت في الحالين، وإن اختلف الشكل.