وروي أيضًا أن رجُلًا قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وإن هذا شيء يسير، فاتركه لعيالك.
181 -قوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} الكناية تعود إلى الإيصاء؛ لأن الوصيةَ في معنى الإيصاء، ودالة عليه، كقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} [البقرة: 275] أي: وعظ. وقيل: الهاء راجعة إلى الحكم والفرض، إذ كان تأويل {كُتِبَ عَلَيْكُمْ} : فرض عليكم، فكأنه قال: فمن بدل فرض الله، فيدل {كُتِبَ} على الكَتْبِ فيُكْنى عنه.
وقيل: الكناية تعود إلى معنى الوصية، وهو قول أو فعل، قال المفسرون: أي فمن غيّر الوصية من الأوصياء والأولياء والشهود {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} من الميت.
وما: صلة زائدة. والكناية في {سَمِعَهُ} ترجع إلى حيث رجعت الكناية في {بَدَّلَهُ} . وقيل: (ما) بمعنى: الذي، والكناية في {سَمِعَهُ} راجعة إليه. والمعنى: فمن بدله بعد الذي سمعه، أي: من تغليظ الإثم في التبديل، والعادة في الوصايا أن يُذْكَر فيها تغليظٌ على من بدَّلَها، وهذا فيه بعد؛ لأن التغليظَ ذُكِر بعد قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} وهو قوله تعالى: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} فيبعد أن تجعل ما بمعنى الذي.
وقوله: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي: إثم التبديل على الذين يبدلونه، أي: على من بدل الوصية، وبرئ الميت.
{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قد سمع ما قاله الموصي {عَلِيمٌ} بنيته وما أراد، وعليم بما يفعله الوصي. ويحتمل أن يكون المنهي عن التبديل المُوصي، نهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله سبحانه، وأمر أن يوصي على الوجه الذي أمر الله، وعلى هذا قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} أي: عن الله تعالى.