وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعداء رياءً وسمعةً، ويتركون العيالَ عالةً، فصرف الله بهذه الآية ما كان يُصرف إلى البعداء إلى الأهلِ والأقرباء، فَعُمِل بها ما كان العمل صلاحًا، ثم نسختها آية المواريث، فكانت الوصية للوالدين والأقربين فرضًا على من مات وله مال، حتى نَزَلَتْ آيةُ المواريث في سورة النساء، فأجمعوا على نسخ الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
"ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث".
فأما الأقرباء الذين لا يرثون، والوالدان اللذان لا يرثان بكفر أو رقٍّ، ففل تجب الوصية لهم؟ اختلفوا، فذهبت جماعة إلى أن الوصية للوارث نسخت، والوصيِّة لهؤلاء الذين لا يرثون لم تنسخ، وهو مذهب مسلم بن يسار، والعلاء بن زياد، ومسروق والحسن، حتى قال الضحاك: من مات ولم يُوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية.
وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك ذوي قرابته نزع منهم، ورد إلى ذوي قرابته.
فعلى قول هؤلاء: النسخُ تناول بعض أحكام الآية وهو الوصية للوارث. والأكثرون من العلماء - وهو الذي يعمل به اليوم - على أن حكم الآية كلّه منسوخ، ولا تجب على أحد وصية لأحد قريب ولا بعيد. وإذا أوصى فله أن يُوصِي لكل من شاء من الأقارب والأباعد إلا الوارث.
قال أبو عبيد: وعلى هذا القول أجمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام، منهم سفيان ومالك الأوزاعي والليث، وجميع أهل الآثار والرأي، وهو القول المعمول به، أن الوصية جائزة للناس كلهم، ما خلا الورثة، غير واجبة.
والخير في هذه الآية حمل على المال الكثير، فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مريض يعوده، فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: إن الله عز وجل يقول: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وإنما تدع شيئًا يسيرًا، فَدعه لعيالك، فإنه أفضل.