ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام ، وقدمه لأنه أعم نفعاً بما فيه من الشمول ، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال: {بل} أي ليس تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال {ظننتم} وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ، ليس لكم نفوذ إلى البواطن ، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال: {أن لن ينقلب} ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث والمسير ، قال مشيراً إلى أن من أرسل رسولاً إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزاً عما يريد: {الرسول} وعظم التابعين فقال: {والمؤمنون} معبراً بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى: {إلى أهليهم أبداً} أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم: ما هم في قريش إلا أكلة رأس.
ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب ، قال مشيراً بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في الحقيقة: {وزين ذلك} أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا {في قلوبكم} حتى أحببتموه.
ولما علم أن ذلك سوء ، صرح به على وجه يعم غيره فقال: {وظننتم} أي بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع منه {ظن السوء} أي الذي لم يدع شيئاً مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به.
ولما انكشف جميع أمره كشف أثره فقال: {وكنتم} أي بالنظر إلى جمعكم من حيث هو جمع في علمنا قبل ذلك بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة {قوماً} أي مع قوتكم على ما تحاولونه {بوراً} أي في غاية الهلاك والكساد والفساد ، وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد ، فلا انفكاك لهم عنه ، وهذا كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير ، وثبتوا فلم يرتدوا.